الإثنين, 19 نوفمبر 2018

مقال : بعد هذه النقطة!

السبت 29 أكتوبر 2016 10:36 م بتوقيت مسقط

 

 

مُحمَّد رضا اللواتي

 

بالأمس، كل من كان يسلك -وما أكثرهم- جسر دارسيت-القرم مُتجها إلى المطار مثلا، يُصاب بالذهول لوجود كل هذا التكدس ابتداء من الجسر المشار إليه، مُرورا بمنفذ الصاروج ومفترق طُرق العذيبة إلى المطار، رغم عدم وجود أي "دوار" طوال هذا الطريق، والذي يخلو تماما من الإشارات الضوئية كذلك. كان المرءُ يُصاب بالذهول والحيرة ولا يعرف السبب على وجه التحديد، ولكن اليوم، ومع تقدُّم وسائل التواصل الاجتماعي -التي أتاحت فرصة التخاطب المكثف بين الناس- أدْلَى عددٌ من المهندسين بوجهات نظر تطابقتْ أغلبها لتكشف السر.. بالطبع هذا السر غير غائب لدى الجهات المعنية.

بل أكثر من هذا، فثمَّة برامج حاسوب ما إنَّ تضع فيها المعطيات حتى تصف لك الأزمة وتحلل بين يديك أشد الاحتمالات صوابا. إنَّ أصابع اللوم تتجه إلى "فقدان الشوارع الرئيسية ذات الانعطافات الأساسية لحواجز منع الانتقالات الفجائية وفي اللحظات الأخيرة" في ضوء غياب "الوعي بخطورة هكذا تصرفات وأهمية البقاء في الاتجاه ذاته أثناء القيادة"!

ولنتأمَّل هذا التحليل الذي قدَّمته بعض البرامج المتخصصة؛ فأثناء مرورك إلى المطار من جسر دارسيت-القرم، أول تكدس عنيف يواجهك هو أثناء النزول من الجسر؛ حيث يقبع الانعطاف الأساسي إلى منطقة الشاطئ، وهذا هو الموقع الوحيد في طول هذا الطريق يوجد فيه حاجز "خجول" يمنع الانعطافات في اللحظات الأخيرة، وقد وصفناه "بالخجول" لأنه بالكاد "يكون" ذلك لقصر طوله!

العديد من سائقي المركبات ينتقلون من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين لأجل المرور في الانعطاف في اللحظات الأخيرة، وهذا يسببِّ إرباكا تامًّا للمركبات، ويؤدي إلى استخدام المكابح باستمرار مُخلِّفا بذلك تكدسا يُطال الجسر في أغلبه!

ولنكمل الطريق..

فما إن نصعد الجسر بعد عناء الوصول ودون أدنى مُبرِّر، إذا بنا نكتشف أنَّ عشرات من المركبات وفي اللحظات الأخيرة تسلك من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار للدخول في وسط الخوير مُخلِّفة بذلك الأزمة ذاتها! والسبب أنَّ حاجزا حقيقيا ومانعا من هذه الانتقالات الفجائية، مع لوحة إرشادية تؤكد أن "بعد هذه النقطة يمنع الانتقال من اليمين إلى اليسار أو العكس" لا أثر لهما!

وفي الواقع، عندما تسخدم السيارة الأولى في صف من السيارات وفق هذه البرمجيات التوعوية -ولنفترض أنها تزيد على 50- المكابح، فإنَّ الدور ينتقل إلى التي بعدها في الصف لتستخدم المكابح فجأة تتلوها التي بعدها، وهكذا واحدة تلو الأخرى تقوم بالعمل ذاته، بحيث أن السيارة رقم 40 في الصف عندما تكبح الفرامل ردًّا لفعل التي قبلها، رغم أن العشرة الأولى من السيارات يكُنَّ قد مضين في طريقهن، إلا أنَّ اللاتي في الخلف تكون لا تزال تعاني من الاختناق وتكرار استخدام الفرامل فجأة مسببة فرص وقوع حوادث سير خطيرة.

ولنكمل الطريق..

ها نحن الآن في شارع العذيبة الجميل، والذي يبدو سالكا تماما، إلا أنَّ الزحمة تخنقه بشكل مُخيف، والسبب بادٍ للعيان تماما؛ فحالما تصل إلى نهايته، تجد أن عشرات من المركبات تقوم بالانتقال المروع والمفاجئ من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار للدخول في منعطف العذيبة، مخلفة نفس ما خلفته المنعطفات المارة من تكدس يعيق الناس عن بلوغ مقاصدهم.

ولو عدنا أدراجنا بالاتجاه العكسي عائدين إلى روي مثلا، فسوف نجد كلَّ ما وجدنا يتكرَّر في خط العودة، وفي ذات النقاط من الشوارع ذاتها. سيارات تُصر على الانتقال في اللحظات الأخيرة للدخول إلى بوشر، مسببة بذلك إرباكا يخنق الطريق الجميل برمته، والسبب يتكرر مجددا: لا توجد موانع للانتقالات المفاجأة، ولا اللوحات الارشادية المانعة من هذه الظاهرة.

كُنتُ قبل أيام مع أجنبي من أوروبا الغربية نتَّجه من المطار إلى القرم، وكان المقود بيده، لاحظت أنه كان يقوم بالانتقال من اليسار إلى اليمين والعكس كلما سنحت له الفرصة، وعندما سألته إن كان قد اعتاد على هذا عندما كان في بلده؟ ضحك يقول بأنه لا يفعل ذلك في بلده لأنه لا أحد يفعل هذا؛ فالثقافة العامة هناك تعدُّ هذه الحركات مخلة بالأدب العام وغير لائقة! وعندما سألته: ولماذا تقوم بهذا ها هنا؟ ردَّ مُعتذرا بأنَّ الثقافة العامة هنا تقبل هذا اللون من الحركات، ثم قال لي: "ألا ترى كم من السيارات تنتقل إلى اليسار من اليمين والعكس قبل المنعطفات بلحظات فقط؟".

ما أسماه هذا الرجل بـ"الثقافة العامة" كُنت قد أشرت إليه مطلع المقال "بغياب الوعي المانع من مثل هذه الحركات"، وينبغي أن أذكر للقارئ ما قاله لي هذا الرجل عن مصدر انبثاق هذا الوعي هناك، فلقد أوعزه إلى "غُرف امتحان القيادة"؛ حيث يُعرض على كل من يتقدَّم للحصول على "رخصة التدريب على القيادة" فيلما حول الأخطاء الشائعة أثناء القيادة، وبعد المشاهدة يتم امتحان المتقدِّم، فإن اجتازه حصل على رخصة "التدريب أو التعلم"، وبعد الحصول على الرخصة، تظل على سيارته إشارة خاصة ولمدى ستة أشهر تبين للناس أن سائق هذه المركبة لم يتعدى الأشهر الست الأولى من حصوله على الرخصة. وتكون مخالفة السير في هذه الفترة باهظة للغاية!

ليتنا نشهد إجراءات أكثر تطورا في خلق وعي بآداب الطريق، على أن لا تفوت الجهات المعنية -وهي بالطبع أكثر معرفة بلوازم الأمن من أي أحد آخر- أهمية وجود لوائح تحدد النقطة الأخيرة المسموح بها بالانتقال من جهة إلى أخرى أثناء القيادة. وبعدها، تتكفَّل الحواجز بردع أؤلئك الذين لا يقتنعون إلا بالحركات الخطرة في اللحظات الأخيرة، فتزول هذه التكدسات التي لا تفسير لها حقا إلا مثل هذه التصرفات.

[email protected]