الثلاثاء, 25 سبتمبر 2018

أكدوا أن التجارب العالمية أثبتت فاعلية الدمج كوسيلة للعلاج وتحسين الحالة

مختصون وأولياء أمور: دمج أطفال التوحد بالمدارس الحكومية من أساسيات تكافؤ الفرص

الثلاثاء 20 سبتمبر 2016 05:52 م بتوقيت مسقط

مختصون وأولياء أمور: دمج أطفال التوحد بالمدارس الحكومية من أساسيات تكافؤ الفرص

الصبحي: الدمج في حصص الأنشطة والمهارات يكسب الطفل المزيد من المهارات الحياتية

الخميسي: الدمج الشكلي له آثار سلبية على الطفل في حال عدم توفير الظروف الملائمة

رصدت التجربة والاستطلاع – عزة الحسيني

قال عددٌ من المُختصين وأولياء الأمور إنَّ دمج أطفال التَّوحد في المدارس الحكومية يمثل اتجاهًا تربويًا متزايدًا في الدول المتقدمة، ونبعت فكرة الدمج بهدف تدريب الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال الأسوياء على التَّعامل والتَّفاعل معًا، حتى يتمكنوا من اكتساب المهارات الحياتية. وأشاروا إلى أنَّ الدمج يُمثل أحد التوجهات الفاعلة التي تضمن حق المساواة بين ذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال العاديين، وكذلك شمولهم بنفس القدر من الاهتمام والرعاية التي يتلقاها أقرانهم، وذلك بقبول هؤلاء الأطفال في المدارس العادية شأنهم كشأن الأسوياء دون تفرقة أو تمييز بينهم، انطلاقًا من مبدأ تكافؤ الفُرص في التَّعلم والمشاركة في الحياة الاجتماعية.

وقال مُحمد الصبحي عضو اللجنة التربوية بالجمعية العمانية للتوحد عن ماهية الدمج الذي تسعى الجمعية لتفعيله في المجتمع إنَّ التعليم المدرسي يعد حقاً مشروعاً لكل طفل عُماني ينتمي لهذه الأرض والطفل التوحدي جزء من هذه المنظومة المجتمعية التي تسري عليها الحقوق بتساو مع باقي أفراد المُجتمع، وفي هذا الشأن قامت جمعية التوحد بتشكيل لجنة تربوية تهدف إلى دراسة آلية دمج أطفال التوحد في المدارس الحكومية، وقد رفع المقترح إلى وزارة التربية والتعليم ولاقى استحساناً وقبولاً وتمّ إصدار قرار وزاري يؤيد فكرة الدمج. ونظرًا لما يُعانيه الطفل التوحدي من اضطرابات مختلفة كفرط الحركة وضعف في الجانبين الاستقلالي والتواصل اللفظي، فإنّ الدمج الجزئي للطفل يُعد الأنسب كمرحلة أولى، إذ يتم فتح صف داخل المبنى الدراسي لأطفال التوحد في المدارس الحكومية، ويتم تأهيلهم وظيفياً ونفسياً وغيرها بواسطة اختصاصين في التربية الخاصة، على أن يدمج مع باقي الطلاب الأسوياء في حصص الأنشطة والمهارات ليكتسب الطفل التوحدي المهارات الحياتية وبالتالي تتطور لديه الجوانب الاجتماعية والتي تُعد من أبرز التحديات التي تواجهه.

إيجابيات وسلبيات

واستعرض شوين الخميسي - ماجستير علوم تواصل واضطرابات في مجال التوحد- بعض سلبيات وإيجابيات دمج الطفل التوحدي في المدارس الحكومية، وقال إنّ الإيجابيات تتمحور حول تعلم واكتساب الطفل لمهارات أكاديمية واجتماعية جديدة، إضافة إلى تعزيز ثقتهم بأنفسهم عن طريق دمجهم بالأسوياء، وتحقيق الاستفادة من الإمكانيات المتوفرة لدى ذوي الاحتياجات الخاصة. ويعمل الدمج على تعديل اتجاهات المجتمع تجاههم، ويؤدي وجود أطفال التوحد والطلبة العاديين في فصل دراسي واحد إلى زيادة التفاعل والاتصال ونمو العلاقات المتبادلة وأشار إلى أنَّ الدمج قد يظهر للمتخصصين وغير المتخصصين أنّ أوجه التشابه بين التلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة وأقرانهم العاديين أكثر من أوجه الاختلاف.

ولخَّص الخميسي السلبيات المُتحققة من علمية الدمج في أنّه قد يُصبح في بعض الأحيان مضرًا بالطفل ذوي الاحتياجات الخاصة عندما يكون وجوده شكلياً بالمدرسة العادية إما لحدة إعاقته أو لعدم توافر الظروف الملائمة. ويذكر أنّه قد يحدث في بعض الأحيان خلل أو فشل في النظام الإداري للمدارس العادية مما يؤدي بالضرورة إلى نتائج وخيمة تضر بجميع التلاميذ داخل المدرسة، بل إن آثاره سوف تمتد لتشمل المجتمع بوجه عام.

ويذكر الخميسي بعض الشروط الواجب مراعاتها قبل تطبيق سياسة الدمج، ففي بداية الأمر يجب أن يراعى نوع وشدة الإعاقة قبل البدء بعملية الدمج ومعرفة الاستعداد النفسي للطالب المراد دمجه. ولابد أن تسبق عمليه الدمج لذوي الاحتياجات الخاصة تربية مبكرة من الأسرة لمساعدتهم على أداء بعض الوظائف الأساسية للحياة مثل الكلام والحركة والتنقل والاعتماد على نفسه فى الأكل. وأضاف: ينبغى تدريب معلمي المدارس العادية على الأساليب التربوية الصحيحة للتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة وكيفية التعامل مع المواقف السلوكية كما يفضل ألا يتجاوز عدد الطلاب المراد دمجهم في الفصل العادي 5 إلى 7 طلاب. ولفت إلى أن إيجابيات الدمج في المدارس العادية تفوق كثيراً سلبياته، لكن سلبيات الدمج جميعها تعتبر من النوع الذي يمكن معالجته والتغلب عليه إذا ما وجد التخطيط السليم والإشراف المنظم.

مبررات الدمج

وتناولت د.عائشة الكيومية المبررات التي استعانت بها الجمعية العمانية للتوحد لتفعيل الدمج في المدارس الحكومية والتي انقسمت إلى مبررات قانونية تعلقت بالمراسيم السلطانية فبموجب المرسوم السلطاني رقم (63 / 2008) بتاريخ 22 أبريل 2008م مادة (7): توفر الدولة الخدمات التعليمية للمعاقين بما يتناسب مع قدراتهم الحسية والجسدية والذهنية.

وذكرت أيضًا أنّه بموجب مرسوم سلطاني رقم 22 / 2014م، قانون الطفل العُماني الذي تناول الحقوق التعليمية :- المادة (36 ) للطفل الحق في التعليم المجاني في المدارس الحكومية حتى إتمام مرحلة التعليم ما بعد الأساسي .ويكون تعليم الطفل إلزاميًا حتى مرحلة التعليم الأساسي ويقع على ولي الأمر مسؤولية تسجيل الطفل وانتظامه في المدرسة والحيلولة دون تسربه. وحقوق الطفل المعاق:- المادة (51) للطفل المعاق كافة الحقوق المقررة بموجب أحكام القانون دون تمييز بسبب الإعاقة.

والمادة (52) تكفل الدولة رعاية وتأهيل الطفل المعاق وفقاً لأحكام قانون رعاية وتأهيل المعاقين وتعمل الدولة وولي الأمر على تمكين الطفل المعاق من التمتع بكافة خدمات رعاية وتأهيل المعاقين.

وأوضحت أنّه في السلطنة ما لا يقل عن 5004 حالات للتوحد جلها لم يشخص بعد، (أي نسبة انتشار بمقدار 1 حالة من كل 165 طفلا) وهذه التقديرات للسلطنة تم تأكيدها وقامت الجمعية العُمانية للتوحد برصد بيانات لـ 275 طفلا عُمانيا مصابا باضطراب التوحد في سن التعليم المدرسي الإلزامي من 6-13 سنة لم يحصلوا على التعليم المدرسي الحكومي الرسمي.

وأشارت إلى أنّه يتم تقديم خدمة تعليم ذوي الإعاقة الفكرية، تعليم ذوي الإعاقة البصرية والسمعية في المدارس التخصصية وعددهم 499 طالباً وطالبة ماعدا طفل التوحد لم يحصل على حق التعليم المدرسي الحكومي بشكل رسمي. وأضافت: يستفيد 1576 طالباً وطالبة من نظام الدمج في كل الولايات ويشمل الإعاقة الفكرية والسمعية والبصرية والحركية ماعدا مصابي اضطراب التوحد

وأوضحت الكيومية عدداً من المبررات الاقتصادية فقالت: يتكبد الأهالي المصاريف الشهرية المالية المباشرة لرعاية الطفل التوحدي بمتوسط بلغ 319 ر.ع في حين تكفل الدولة الرعاية المجانية للطفل غير التوحدي وولي الأمر مُخير بين التعليم المجاني أو الخاص بينما هذا الأمر غير متاح للتوحد. وأشارت إلى أن 38 % من الأمهات العمانيات العاملات تركن وظائفهن للتفرغ لرعاية الأطفال المصابين باضطراب التوحد.

واستطردت قائلة: اضطرت 15% من الأسر العُمانية لترك سكنها والانتقال بقرب مركز يوفر خدمات تأهيلية وتعليمية غير حكومية وترتب عليه أعباء إضافية في استئجار مسكن أو الاضطرار لبيع المنزل في بعض الأحيان.

صعوبات التواصل الاجتماعي

وقال د. يحيى الكلباني- متخصص الصحة النفسية والطب السلوكي- إن التوحد عبارة عن طيف من الأعراض التي تتمثل في صعوبات في التواصل الاجتماعي وعدم اكتساب مهارات التواصل اللغوي ووجود خلل في السلوكيات تتمثل في حركات متكررة وتختلف نسبة الأعراض بين الأطفال المصابين بطيف التوحد فهنالك حالات بسيطة ومتوسطة وشديدة كما وقد تصاحب مرض التوحد مجموعة من الاضطرابات والأمراض بنسب متفاوتة مثل الصرع والاضطراب العقلي النمائي أو ما كان يعرف بالتخلف العقلي.

 وأوضح أنّه توجد لدى بعض حالات التوحد مجموعة من السلوكيات قد تكون معيقة للعملية التعليمية في المدارس العامة مثل السلوك النمطي، والعدوانية والنشاط الزائد ومحدودية التواصل اللغوي والاجتماعي والتي قد تتعدى إلى عدم الرغبة في التواصل بشكل عام. إلا أن هنالك العديد من الحالات المصابة بطيف بسيط من التوحد بإمكانها الاندماج طبيعياً في الأماكن العامة مثل دمجهم في المدارس العامة حيث يعمل ذلك على تطوير وزيادة التفاعل الاجتماعي واكتساب المهارات الحياتية والمهارات اللغوية ويساعد الدمج أيضاً على التخلص من المفاهيم الخاطئة لدى الأطفال الطبيعيين عن الإعاقة ويكسب الطفل المصاب بالتوحد خبرات متنوعة أكثر واقعية. وفي المقابل فإنَّ هناك حالات من التوحد مثل الحالات الشديدة قد يكون تعليمهم في مدارس خاصة بهم أكثر فعالية وأمنا وراحة لهم ويحقق أكبر فائدة مع وجود متخصصين لعلاج السلوكيات ومشاكل التواصل اللغوي والاجتماعي بصورة أفضل من المدارس العادية حيث قد يشكلون عبئاً على المدرسين غير المتخصصين في التعامل مع هذه الفئة وقد يحرم دمج هؤلاء الأطفال في مدارس عامة من تفريد التعليم بهم ويؤدي إلى زيادة عزلة الطفل صاحب الإعاقة. ويمكننا إدراك أن فكرة دمج أطفال التوحد قد تكون مناسبة جداً للأطفال المصابين بطيف توحدي بسيط لاسيما ذوي القدرات العقلية العالية وهناك تجارب ناجحة عديدة.

تقييم الخدمات

وحول تقييم الخدمات الحكومية من قبل المؤسسات الحالية، قالت د. عائشة الكيومية – نائبة رئيس الجمعية العمانية للتوحد ورئيسة اللجنة التربوية بالجمعية إنّ الأطفال المصابين باضطراب التوحد في الوقت الحالي حق التعليم الحكومي المجاني الذي يراعي قدراتهم . كما أنّ هناك خطأ كبير جداً تسير عليه الجهات المقدمة للخدمة ويتمثل هذا الخطأ في جعل كل الأطفال المصابين باضطراب التوحد تحت مظلة مراكز الإعاقة علماً بأن بعضهم من ذوي الأداء المرتفع قابل للتعليم ولابد من دمجه مع عامة الأطفال .

وأضافت أنَّ هناك نقصاً في الخدمة المقدمة من قبل وزارة التنمية الاجتماعية فالطفل التوحدي في بعض المحافظات يحصل على ساعتين رعاية فقط في الأسبوع من أصل 25 ساعة بسبب الأعداد المتزايدة لأطفال التوحد على المراكز. وأشارت إلى أن ما يحدث الآن يتم دمج جميع مستويات التوحد تحت مستوياتهم في مراكز الوفاء الاجتماعي أو المراكز الخاصة، وفي بعض الأحيان يتم تحويل مرتفعي الأداء الأكاديمي من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ومن ذوي الإعاقات وتحويلهم من مراكز الوفاء والجمعيات رعاية الأطفال إلى مدارس الدمج وفي أغلب الأحيان لا ينجح بسبب تعلق الطفل بالبيئة التي تعود عليها لفترة طويلة منذ نعومة أظافره وبالموظفين من مُقدمي الخدمة بوزارة التنمية الاجتماعية وبهذا النظام يظل طفل التوحد غير قادر على تعديل سلوكه لأنّه يكون في وسط سلوكيات محدودة ومتدنية ويصعب عليه تعديله بعد التعود لسنوات والانتقال الفجائي وعدم رؤيته للسلوك الطبيعي حوله بشكل دائم.

تجارب أولياء الأمور

وقال راشد المعمري ولي أمر طفل توحدي: ولدي محمود لم يحظ بفرصة للدمج في المدارس النظامية حتى الآن، وأرى أنَّ المدرسة هي البيئة الطبيعية التي يمكن للطفل المصاب بالتوحد، باعتبار الدمج وسيلة تعلم مرنة يمكننا من خلالها تطوير وتنويع الخدمات التربوية المقدمة لأطفالنا. وهناك الكثير من الصعوبات التي واجهتها مع الطفل كمشاكل اللعب الجماعي والرفض وعدم اتباع التعليمات والغضب والجلوس في زاوية بمفرده وكذلك صعوبة فهم التواصل والسلوكيات المتكررة وبعض الهواجس وضعف الخيال وبعد اندماجه في الروضة وجلساته مع الطبيب المختص في السنوات الأخيرة تحسنت حالة محمود ومهارته اللفظية بشكل كبير وهو أكثر وعيًا من قبل ولقد تعلَّم القراءة، كما أصبح بإمكانه أن يُعبر عن مشاعره. وقد درس محمود في مدرسة الوفاء لمدة ثلاث سنوات، علما أنّه لم يكن أخصائي التوحد متوفرًا في المدرسة ولم يستفد شيئًا مما نتج عنه إخراجه منها وهو الآن بالمنزل لا نملك خطة أخرى للتعامل مع المشكلة ولا يوجد حلقة وصل بيننا وبين المؤسسات الحكومية للقضاء على هذه المعضلة.