الجمعة, 21 سبتمبر 2018

مطالب بتفعيل دور الجهات المعنية وتكثيف البرامج والورش التدريبية لنشر المعرفة

مختصون: نشر الوعي السياسي بين الشباب يُساهم في نهضة المجتمع وضمان استقراره

الإثنين 29 أغسطس 2016 06:34 م بتوقيت مسقط

مختصون: نشر الوعي السياسي بين الشباب يُساهم في نهضة المجتمع وضمان استقراره

العبري: رقي الدول قائم على استثمار وعي الشباب بحقوقهم وواجباتهم السياسية

الزدجالي: المدارس والجامعات آلية مؤثرة جدًا في نشر المعرفة السياسية بين الأجيال الجديدة

الرمضاني: تأهيل الكوادر الشبابية بالوعي والمعرفة يسهل دمجهم في العمل السياسي مبكرا

الرؤية – عزة الحسيني

قال عددٌ من المُختصين إنَّ نشر الوعي السياسي بين الشباب العُماني له دور أساسي في تنمية المجتمع والاستفادة من أفكار الشباب لتحقيق الصالح العام، كما أنَّ مؤسسات الدولة يجب أن تُدرك أهمية إكساب كافة فئات المجتمع المعرفة السياسية وتوعية الشباب بالشأن السياسي، بهدف أن يعرف المواطن حقوقه السياسية وواجباته، وتفسير ما يجري حوله من أحداث وطبيعة تأثيرها على حياته اليومية ومستقبل أولاده.

وقال الباحث والكاتب الديني بدر العبري إنّ العلوم السياسة تطورت في جميع البلدان مع تطور أسلوب الحياة في مختلف المجتمعات، كما أنّها تعقدت بتعقد وسائل واختلاف أنماط الحياة، فضلاً عن تأثير سهولة التواصل بين الناس، مما حوّل أسلوب الحكم القبلي البسيط إلى حكم قائم على المؤسسات بتعقيداتها وتنظيماتها القانونية، كما أنّ الشارع بات له سلطته وفق مؤسسات مدنية عن طريق البرلمانات أو مجالس الشورى، والمؤسسات المدنية الخدمية أو الأهلية أو الحكومية بفروعها وتشعباتها في جميع مجالات الحياة، وإذا نزلنا إلى المجتمع العماني والشباب العماني خصوصًا حيث يعيش الشباب العماني في جو أصبحت النظريات السياسية فيه حاضرة، فضلاً عن أنه أصبح يرى التطور السياسي والجانب المؤسسي والمدني والقانوني فيه، وهذا بدوره يُسرع نمو الوعي السياسي عند الشباب، ويزيدهم ذلك إذا ما وجد مجتمع مؤسسي وقانوني يحقق لهم الشراكة وفق عمل مؤسسي منظم ومقنن وعياً، لأنّ هذه فطرة في الإنسان الرافضة لكل أشكال عبودية الإنسان واستغلال حاجاته وتقييد قدراته، والوقوف ضد إبداعه وإنتاجه، وفي الوقت نفسه يكون ذلك بشكل منظم ومقنن وفق ما يتوصل إليه الإنسان من آلية الشراكة ووسائلها حسب كل جنس وبلد.

وأضاف العبري أن الدين من خلال النص القرآني أعطى للعقل البشري مساحة كبيرة في الجانب السياسي، وربط ذلك بتطور الإنسان، وإنما جاءت الشرائع لتحقيق القيم العليا من حرية الإنسان وحرمة استعباده، وتحقيق العدل، ورفع الظلم، ومحاربة الطبقية الاجتماعية والمالية والمنصبية. ولنعلم أنّ زيادة الوعي السياسي عند الشباب حالة صحية، إذا فقهنا آلية استثمار ذلك وتسخيره بما يخدم الإنسان العماني حاضرا ومستقبلا.

أهمية التنشئة السياسية

وقال الخبير التربوي د.سعود الزدجالي إنّ من القضايا المُهمة جدًا في مسارات التعليم تنشئة جيل يمتلك الوعي السياسي المدني، فكلما وجدت ثغرات في الممارسة السياسية، فذلك يعني وجود ثغرات في النظام التعليمي برمته، وقد أشارت التقارير الدولية، مثل التقرير المشترك بين وزارة التربية، والبنك الدولي إلى وجود هذه الثغرات، لذلك فإنّ امتلاك الإنسان العماني لقيم الممارسة المدنية يعني وجود مجتمع يعي أبعاد المواطنة الفاعلة، وغياب هذا الوعي يؤثر في كثير من الجوانب، ولعل أبرزها تكوين الرأي العام في المجتمع إزاء قضاياه السياسية والمشاركة الديمقراطية التي تتمثل في البرلمانات، ومؤسسات المجتمع المدني.

وتحدث الباحث والكاتب التاريخي يونس النعماني عن الفكر السياسي العُماني في الذاكرة الجمعية والتجربة السياسية العمانية التي لا يمكن فصلها عن مبادئ الفكر السياسي الإباضي أو ما يعرف بنظام الإمامة، تلك التجربة التي ترتكز أصولها على القيم السياسية التي جاء بها الإسلام وهي قيم العدالة والشورى وحرية الاختيار، وتمكنت التجربة الإباضية من تحقيق تجارب تاريخية متفرقة في كل من اليمن في القرن الثاني الهجري، والإمامة الرستمية التي قامت في شمال أفريقيا، إلا أنّ أهم تجربة سياسية وفق الفكر السياسي الإباضي هي التجربة العُمانية التي تميزت بالاستمرارية والثراء السياسي. 

وأشار النعماني إلى أنّ أول تجربة سياسية في عُمان قامت على مبدأ الشورى والانتخاب كانت عام 132 هـ، بتعيين الجلندي بن مسعود إماما، ورغم قصر تلك التجربة، (حيث لم تستمر سوى عامين)، ولكن أهميتها تكمن في ما تمثله في الذاكرة العُمانية وما تحمله من قيم حرية الاختيار وقيم العدالة، فإمامة الجلندي بن مسعود استمدت شرعيتها من التعاقد بين الإمام الحاكم والأمة الرعية، واستمر هذا التقليد السياسي متبعًا إلى آخر إمامة في القرن العشرين. ووفق هذا التقليد السياسي الذي عرفته الذاكرة العُمانية والذي استمر ما يقارب أكثر من 1200 سنة، مع بعض الانقطاعات الزمنية نتيجة عوامل داخلية وخارجية-، يمكن القول إن النظام السياسي وممارسته، القائم على مرجعية الشورى والانتخاب وقيم العدالة الاجتماعية والاقتصادية، رسّخ جملة من الأفكار والرؤى والاتجاهات في الذهن الجمعي العُماني، وذلك عن طريق تراكم كم هائل من الخبرات والمعارف السياسية من خلال أنواع التجارب السياسية التي عرفتها عُمان، وهي تجارب عديدة وقدمت العديد من النماذج في الكيفية التي تفاعل معها الوعي الشعبي العُماني، وأضاف النعماني أن تجربة حرية الاختيار والشورى والانتخاب رسخت حالة الاستقلالية لدى الفرد العُماني وهذا ما أشار إليه صاحب كتاب "كشف الغمة" بأنّ الإنسان العماني لا يقبل الخضوع إلا لرأيه، وهي صفة تحيلنا إلى سمة الاستقلال في الرأي والتوجه، استمدها من الإطار الثقافي والديني الذي ينتمي إليه وهو المذهب الإباضي القائم على فلسفة راسخة وذات عمق تاريخي وهي الانتخاب والشورى.

وأوضح أن القضية الأخيرة والأهم تكمن في التجربة السياسية العُمانية في دور النخب الدينية تاريخياً في بث خطاب سياسي موجه إلى عامة الناس، وهذا الخطاب في جوهره يقوم على رفض أيّ شكل من أشكال الاستبداد السياسي والاجتماعي ورفض أي سلطة لم تحظ بشرعية الانتخاب والتعاقد الاجتماعي ويمكن ملاحظة الآليات التي استخدمتها النخب بسهولة من خلال نصوص التراث الفقهي خاصة، إذ حاول الخطاب الفقهي السياسي توجيه العامة إلى عدم التعامل مع أيّ سلطة سياسية فاقدة للشرعية السياسية أو ما يُعرف في الأدبيات العمانية بالجبابرة والتي تعني السلطة لم يتم انتخابها من قبل أهل الحل والعقد ممثلي المجتمع.. وأود الإشارة هنا إلى كتاب الدكتور حسين غباش الموسوم عُمان، الديمقراطية الإسلامية الذي تناول هذا الموضوع باستفاضة.

الوعي ومؤسسات الدولة

ويركز د. سيف الرمضاني مستشار الدراسات والبحوث بمجلس الدولة في حديثه عن دور مؤسسات الدولة في الوعي السياسي لدى الشباب بقوله إنّ المعرفة السياسية لدى الناس عموماً والشباب خصوصاً وتعمد الدولة بث الوعي السياسي في نفوس ناشئتها بما يمكنهم من معرفة ما يدور حولهم من أحداث بل والمساهمة الفاعلة والإيجابية فيها بما يخدمهم ومجتمعاتهم والإنسانية بشكل عام. الجهات المعنية كل في مجالها تحرص على بث الوعي السياسي لدى الشباب عبر إشراكهم في عمليات الاستقراء والتخطيط واتخاذ القرارات خصوصاً ما يتعلق منها بهم وبمجتمعهم ومصيرهم حاضراً ومستقبلاً. ولعل وجود عدد من المؤسسات المعنية بهذه الموضوعات يسهل كثيراً من عملية دمج الشباب سياسياً وسيعمل على تصحيح كثير من المفاهيم والرؤى التي قد يكون البعض متأثراً بها من خلال قراءاته الأحادية.

وأشار إلى أنّ من بين هذه المؤسسات كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالجامعة التي ينبغي أن يكون دورها أكثر مما هو عليه الآن من خلال مساهمة أساتذتها وطلابها في عملية التنوير والوعي السياسي محلياً وخارجيا، فلا يكاد أحد يعلم بوجود مثل هذا التخصص في السلطنة نتيجة انكفاء الكلية على عملية التدريس وحدها دون المشاركة في مهام البحوث والدراسات وخدمة المجتمع عبر المحاضرات والندوات واللقاءات الإعلامية. كما على مجلس عُمان بشقيه الدولة والشورى التوسع في استضافة طلاب التعليم العام والعالي وسائر شرائح المجتمع لحضور جانب من الجلسات العامة والمشتركة في المجلسين بما يُسهم في توعية المجتمع بدور المجالس البرلمانية في خدمة المجتمع ويرسخ لدى الأفراد الممارسات البرلمانية الصحيحة من حيث ثقافة الحوار والاختلاف من أجل الوطن. ومن بين الجهات المعنية ببث الوعي السياسي كذلك مؤسسات التربية والتعليم والفنون والآداب والصحافة والإعلام؛ فإلى جانب وظيفته التوجيهية فإنّ على الإعلام مثلاً فتح مساحات أكبر للآراء المتناظرة والمتقابلة على حد سواء.

وبالحديث عن دور مؤسسات المجتمع المدني كالأندية والجمعيات والمجالس الطلابية قال الرمضاني إن أحد واجباتهم يتلخص في بث ثقافة الحوار والبحث والتقصي العلمي السليم والوعي السياسي الناضج لدى الأجيال الجديدة بما يمكنهم من نقد ماضيهم وتشريحه وفهم واقعهم واستيعابه ونقده والتخطيط لمستقبلهم وتشكيله في ضوء المعطيات الصحيحة التي توصلوا لها دون وصاية من هنا أو هناك. ولعل مسألة الوعي السياسي لدى الشباب هي ما أشار إليه جلالة السلطان المفدى عند لقائه بطلاب جامعة السلطان قابوس في مطلع الألفية الجديدة بقوله: (مصادرة الفكر والتدبر والاجتهاد هذه من أكبر الكبائر. ونحن لن نسمح لأحد أن يصادر الفكر أبداً من أيّ فئة كانت وأنا لا أريد أن أخوض في تفاصيل ولكن أعلم أن هناك من يدعو إلى مصادرة الفكر. فإياكم إياكم من أحد يصادر لكم أفكاركم بأيّ طريقة كانت).

الجماهير والمسؤولية السياسية

ويطالب المدون السياسي عون العجمي بضرورة توعية المجتمع بحقوقه وواجباته السياسية انطلاقًا من مقولة تشومسكي "إدراك السياسة لا يحتاج إلى اختصاصيين كما تحاول وسائل الإعلام إيهام الناس بذلك. إنها في متناول الناس العاديين بشروط موضوعية كالكشف عن الخفايا" . ومن الصعب عزل السلوك الفردي عن الوسط السياسي والاجتماعي والثقافي المحيط به، بل يجب ألا نغفل أنّ الذات تتفاعل وتتداخل أو تتصادم وتتنافر مع معطيات الوسط الاجتماعي. وقال إنّ فهم قوة الجماهير محط دراسة كل الدول وأجهزتها، حيث تعكف بعض الأجهزة الأمنية على تحليل واقع وعي الجماهير وتدرس ظواهرها وردود أفعالها حيال أي موقف أو قرار سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي من قبل السلطة، وتعمل هذه السلطات بواسطة هذه المعطيات على ترويض هذه الجماهير وإعطائها جرعات وفق مخططاتها السياسية.

وتحدث العجمي عن مفهوم الجماهير الواعية التي لا تنجرف خلف مفهوم العرق والدين والمذهب والإقليم، بل يجب أن تعي أن المحرك الأساسي هي الحقوق الإنسانية والوطنية بالدرجة الأولى. وتكمن قوة تأثير هذه الجماهير من خلال قوة وعيها ووحدة مبادئها ومعرفتها بحقوقها السياسية، والتي تحمل الحلول وتشخص مكامن الخلل بدقة في أيّ مؤسسة. إضافة إلى أنّها تحمل رؤية واضحة وعميقة تجاه قضاياها وحقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.والجماهير الواعية هي التي تُملي على السلطات احترام حقوقها مهما كان مرتبة تلك السلطات. وهنا تقع على عاتق النخب الجماهيرية والجماهير بصورة عامة مسؤولية أخلاقية كبيرة، حيث يجب توظيف هذه الأخلاق في مطالبها المشروعة، وألا تقع في فخاخ المطالبات المادية البحتة أو الفئوية أو الإقليمية أو الدينية والمذهبية، بل تنطق بالوعي الذي يخدم مصلحة البلد والمجتمع بشكل عام. وهذا يتطلب ذكاءً عالياً ودهاءً محمودًا من قِبل النخب الجماهيرية وعامة الجماهير لتجاوز مثل هذه الأمور من خلال توعية وتغذية الجماهير بواسطة الفكر لا بواسطة العاطفة، لأن العواطف سرعان ما تتغير.

وشدد العجمي على أهمية مراقبة الرأي العام فقال إن مراقبة الرأي العام باتت اليوم  الشغل الشاغل للصحافة والحكومات، فقد أصبحت مشغولة بمعرفة الأثر الذي يحدثه حدث ما أو برنامج تشريعي ما أو خطاب ما على الرأي العام.