الثلاثاء, 20 نوفمبر 2018

مقال : المسؤول المسؤول!

الثلاثاء 23 أغسطس 2016 07:45 م بتوقيت مسقط

 

 

سَيْف بن سالم المعمري

في الأسبوع الماضي، تطرَّقت في مقال "المواطن المسؤول" إلى المسؤوليات الملقاة على عاتق المواطن منذ سِن التكليف وحتى يصبح مواطنا مسؤولا فاعلا في مجتمعه يؤثر ويتأثر بمن حوله. وفي مقال هذا الأسبوع، سنركِّز الحديث على المسؤول المسؤول، والذي بطبيعة الحال تتضاعف عليه المسؤوليات ببلوغه مرحلة وظيفية معينة، إضافة إلى المسؤوليات التي عليه بصفته مواطنا مسؤولا.

ولا شك أنَّ المسؤول حينما يكون مواطنا فتتعاظم مسؤولياته تجاه وطنه، ومن وجهة نظري -ولا ألزم بها أحدا- يُمكن تقسيم المسؤوليات الملقاه على المسؤول إلى ثلاثة أنواع؛ أولها: مسؤولية المسؤول في إدارة الموارد البشرية في مؤسسته واستثمارها بما يضمن للمؤسسة تحقيق رؤيتها ورسالتها تجاه المجتمع، وأن لا يستغل مسؤولياته لتلبية مصالح أقاربه أو أصدقائه أو من يرتبط معهم بمصالح شخصية؛ فموقعه كمسؤول يحتم عليه احترام الثقة التي أنيطت به، وهي أمانة عظيمة سيُسأل عنها يوم القيامة، حفظها أم ضيعها، يقول تعالى في سورة الاحزاب: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)"، والمسؤول المسؤول الذي يجنب نفسه مواطن الشبهة، وأن يكون قدوة أمام مرؤوسيه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ". وأن يُفرِّق بين العلاقات الاجتماعية الخاصة التي تربطه بالموظفين وبين علاقاته الوظيفية فيهم، وأنْ لا يتقوقع على فئة معينة من الموظفين ويلتف حولهم فيما يعرف بـ"الشلة" يقول غازي عبدالرحمن القصيبي في كتابه "حياة في الإدارة" : "كل إنسان يحتاج إلى "شلة"، إلا أنَّ الأمور تضطرب عندما تتداخل علاقات "الشلة " بعلاقات العمل: لا شيء يقتل الكفاءة الادارية مثل تحول أصحاب "الشلة" إلى زملاء العمل".

أمَّا مسؤوليته الثانية، فتتمثل في إدارة الموارد المادية في المؤسسة لضمان التوازن المنشود في حماية المال العام وترشيد الإنفاق، وبين توظيف الموارد المالية للمؤسسة بما يُساعدها على تقديم مستويات عالية من الجودة والإبداع في الخدمات، فلا يجب على المسؤول المسؤول أن يستغل أموال مؤسسته لكسب الولاءات المجتمعية في العزائم والحفلات وتبادل الهدايا والورود والتهاني، بل عليه أن يحسن تدبير تلك الأموال، وأن يغرس ثقافة ترشيد الإنفاق غير الضروري في المؤسسة، والاستفادة القصوى من كل الأدوات والأجهزة التي تعمل بكفاءة، وأن لا يكون على حساب جودة العمل، وأن لا تستنزف أموال المؤسسة في تبديل الأثاث ومكاتب المسؤولين في المؤسسة دون مبرر موضوعي، وأن لا تهدر الأموال لحفلات يكرم فيها من يستحق التكريم ومن لا يستحقه، كما هي حال الكثير من مؤسساتنا.

بينما المسؤولية الثالثة تتمثَّل في تحقيق رضا جميع المستفيدين من خدمات المؤسسة مواطنين أو مقيمين، وتبسيط الاجراءات وتقليل وقت إنجاز المعاملات، والاستماع إلى مقترحاتهم وأفكارهم، وعدم تجاهل شكاوى المستفيدين من خدمات المؤسسة، وإن كانت كل المؤسسات العامة تقدم خدمات للمجتمع، لكن المسؤول المسؤول الذي يتربع على عرش المؤسسة التي تقدم خدماتها اليومية لجميع فئات المجتمع، عليه أن يتابع عن كثب أحوال المراجعين وكيف يتعامل موظفوه معهم، وأن ينتقي من الموظفين من يحسن استقبال المراجعين ويحتويهم، وأن يُخضِع الموظفين للتأهيل المتخصص في كيفية التعامل مع المراجعين، إضافة إلى تقييم أدائهم من خلال استبانات تقدم للمراجعين لمعرفة رضاهم تجاه المؤسسة وخدماتها وحسن تعامل الموظفين معم.

ومما يُؤسِف حقا حينما يتردَّد المراجع -سواء كان مواطنا أو مقيما- على مؤسسة خدمية لتخليص معاملة معينة ويتم تأخيره لساعات وأحيانا لأيام وأكثر في الوقت الذي لا يستغرق أنجازها سوى بضع دقائق. وفي المقابل، يتم إنجاز تلك المعاملة لمراجع آخر في زمن قياسي؛ فقط لأنه يعرف موظف معين أو مسؤول المؤسسة، إضافة إلى الرسائل السلبية التي تدقُّ ناقوس الخطر في مؤسساتنا؛ فمثلا في مؤسسة معينة تقدم خدمات لجميع شرائح المجتمع، فبدلًا من أن يتم توجيه الموظفين في المؤسسة وتأهليهم وإكسابهم تقنيات التعامل مع المراجعين، فقد كتب على كل شباك وكل ردهات المؤسسة المادة (173) من قانون الجزاء العُماني: "كل من أهان موظفاً بالكلام أو بالحركات علانية أو بالنشر، أثناء قيامه بوظيفته أو بمناسبة قيامه بها، يُعاقَب بالسجن من عشرة أيام إلى ستة أشهر"؛ فهل كل فئات المجتمع الذين يتردَّدون صباح مساء على تلك المؤسسة بحاجة إلى "التخويف بالعقوبة"، أم بحاجة إلى أن نقدِّر ظروفهم ونجبر خواطرهم؟ أم أنَّه مُؤشر على وجود مشكلة تتعلق بالموظفين أنفسهم في تلك المؤسسة؟

ومتى ما وجد المسؤول المسؤول في مؤسساتنا، فسنلمس أثرا لرضا المجتمع عمَّا تقدِّمه مؤسسته ورضا الموظفين وتفانيهم وإخلاصهم وشعورهم بالانتماء لمؤسستهم، وسيتباهى الوطن بأبنائه وبعطاءاتهم.. فبوركت الأيادي المخلصة التي تبني عُمان بصمت.

[email protected]