الخميس, 20 سبتمبر 2018

مقال : المهنيَّة الصحفيَّة المفقودة

الأحد 31 يوليو 2016 08:33 م بتوقيت مسقط

بدرية الهنائيَّة

شَغَل الخبرُ الذي نشرته إحدى الصحف المحلية غداة السابع والعشرين من هذا الشهر، وبالبنط الأحمر العريض على الصفحة الأولى، وجاء فيه "جهات عليا تغل يد العدالة" الناسَ، فزقزقت العصافير وغرَّدت وشدت البلابل وأنشدتْ تمجِّد موقف الصحيفة الجريء في نشر خبر كهذا، إلا أنه ومع شديد الأسف عن غير تحقيق ولا اطلاع أو تحرٍّ حقيقي نزيه في الموضوع، وإذا بنا نسمع اتهامات تُثار وذمما تُشترى وأعراضا تنتهك، كلُّ هذا وكأنَّ تحقيقيا حقيقيا حياديا ذكره الموضوع وأشبعه بحثا وبرهانا.

ولعلَّ البعضَ يجدُ لأولئك جميعًا عذرا؛ إذ يكفي للخبر أن يكون في الصفحة الأولى وبالبنط العريض وبصورة ضخمة، حتى يُضلِّل الرأي العام، فما بالك بشديدي التأثر بالإعلام الذي يأخذهم ويأتي بهم كيفما شاء دون أدنى تريث من جانبهم والتأكد قبل الخوض في اتهام الأبرياء؟!

فلقد كان الخبر مُضلِّلا إلى الحدِّ الذي يخال للمرء للوهلة الأولى أن عنوان "جهات عليا تغل يد العدالة" تصريح أدلى به فضيلة الشيخ رئيس المحكمة العليا كما حدث معي ذلك.

لكنِّي ومع هذا لا أجد أن هذا بعذر مقبول يمنح حق المضي في الاتهامات بلا أدنى تحقيق وتأكد.

... إنَّ قضاءً تتحكم فيه "جهات عليا" بهذا النحو بحيث تجعله يتلاعب في مصير القضايا التي بين يديه، لن يلبث طويلا إلا ويفتضح أمره وتنكشف حقيقته وتستبين تلاعباته بالوثائق المؤكدة؛ فالناس بطبيعتهم لن يسكتوا على زوال حقوقهم العادلة ظلما، وحتما سيجدون منفذا يكشفون فيه ما أصابهم من ظلم في عالم غَدَا قرية صغيرة لا يمكن التستر فيه طويلا.

ولله الحمد، فالقضاء في السلطنة ما تعرَّض لهكذا فضائح، ويعمل على رأسه أناس مخلصون تشهد لإخلاصهم أروقة المحاكم ووثائقها المكتوبة.

... إنَّ حُرية الرأي من المطامح البشرية الأساسية، وحق إبراز المظالم متاح، وتعمل العديد من المؤسسات العالمية على تبنيه والدفاع عنه، والعماني ليس بالذي يقبل أن ينام على حيف دون أن يُطالب بحقوقه، إلا أنَّ المهنية الصحفية مطلوبة للغاية، والأمانة الخبرية ضرورية جدًّا في مثل هذه الأخبار، وما يُؤسَف له أنَّ الصحيفة ما تكبَّدتْ عناءَ الاستماع إلى الطرف الآخر فيما كتبته، بل اكتفت بالاستماع إلى أحد طرفي النزاع، وكأنها وقعت على الخبر الذي يضمن لها ما تستهدفه من نشر هذه النوعية من الأخبار من انتشار وتمجيد ممن يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.

والعجيب أن من يتحقَّق من تفاصيل الخبر -كما هي في كواليس القضاء- سوف يرى أنها انتهت لصالح من وقفتْ الصحيفة إلى جانبه تدافع عنه مُتَّهمة القضاء بالمغلولية من قبل جهات عليا! والأعجب منه أنَّ الصحيفة فسَّرتْ في تفاصيل الخبر الجهات العليا بنفس شخص فضيلة الشيخ رئيس المحكمة العليا!

جميعنا مع الحرية الصحفية، ولكن ليس على حساب المهنية، وهذا هو طموحنا في صحفنا المحلية وإعلامنا العُماني.