الإثنين, 17 ديسمبر 2018

سؤال للتاريخ: ماذا فعلنا؟ (44)

مقال : الفنون والآداب

السبت 02 يوليو 2016 06:13 م بتوقيت مسقط

د. صالح الفهدي

لا يمكنُ لأية أمة أن تتهذب أخلاقها، وتستقيم طبائعها، وترتقي سلوكياتها بغير الفنون والآداب، أمّا التي تنكرت للفنون والآداب واستهجنتها وقللَّت من شأنها فلن يصعب عليك رؤية النتائج: وجوهٌ كالحة، ومشاعر باردة، وملامح قاسية، وسلوكيات خالية من المعاني، ولغة سطحية لا تصاحبها الأحاسيس الإنسانية العميقة..!! وانظر إلى الأمم التي رفعت منزلة الفنون والآداب وهيأت لها السبل الكفيلة للنماء، وتعهّدت أصحاب الملكاتِ والمواهب بالرعاية والاعتناء، تجدها أمّة راقية في اللغة، عميقة في الأحاسيس، بعيدةٌ في النظر، تنظرُ إلى الكونِ بعمقِ رؤية، وإلى الإنسانِ بتقديرٍ واسع، وإلى الأشياء بعمقٍ وإدراك.

فرقٌ بين أمّةٍ تتعامل مع الفنون والآداب على أنّها وسائل ترفيه، وأدوات تسلية، وأمةٍ جعلتها وسائل تهذيب نفسي، وطرائق تقويم أخلاقي، وأدوات ترقية سلوكيّة..!! انظر إلى اهتمام فرنسا بالفنون والآداب كيف أنتج لغة راقية في أعمالها الأدبية، وأبعاداً إنسانية ووجودية عميقة في أعمالها الفنية، بل أنتج صروحاً ومباني ذات جمال وروعة في التصميم الهندسي والبناءِ المعماري..!

وجاءَ في مجتمعاتنا من قلّل قيمة الفنون والآداب، ونهى الناس عن الاشتغال بها في كليتها دون استثناء..! وأشاع عنها ما لا ينتسبُ لها من مأفون الكلام، وسخيفِ الاشتغال، ودنيء الخلق..! بل وتجنّى عليها بتبرئة الدينِ منها، وجعل الدينِ وكأنّه صحراء قاحلة لا نبتَ فيها ولا ظل..! اشتغلوا على التحريم في كل شيءٍ وربطوه بالكفر والعصيان، فماذا نتجَ عن ذلك؟ ملامحٌ قاسيةٌ ترهبُ، وقسمات كالحةٌ ترعب، وقلوبٌ جافةٌ تشجبُ وتندب..! وهم يعلمون جيداً أن نبيّنا الكريم على أفضل الصلاة والسلام خلع بردته الشريفة على كعب بن زهير الذي كان قد أهدر دمه، بعد أن أنشده قصيدته التي استهلها بالتشبيب: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول".. ويعلمون عن قصة غناء الجواري في منزله الشريف في حديثٍ روته السيدة عائشة رضي الله عنها بقولها: " دَخَلَ عَلِيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعِنْدِي جَارِيتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ  دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ" .

يقول أحدهم كاتباً لأحد دعاةِ التشدد والتحريم: لقد حرمتمونا من ذكريات الطفولة بتحريم الصور في البيوت، فأحرقناها كلها، أحرقنا جزءاً من حياتنا، ثم حين ردّ صوابكم إليكم حللتم الصور.. حللتموها بعد ماذا؟ بعد أن خسرنا أجمل وأروع اللحظات في حياتنا.. لحظات الطفولة البريئة!

الفنون والآداب علاجٌ نفسي التفت له علماء المسلمين الأوائل بل وأئمتهم، وتحاشاه المعاصرون أو أكثرهم..!! فانظر لقول الإمام أبي حامد الغزالي في كتابه "علوم إحياء الدين" كلاماً عجيباً في الفن يقول فيه:" من لم يحرّكه الربيع وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاجِ، ليس له علاج"..! واسمع إلى كلام الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه حين سأله مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ عَنِ السَّمَاعِ، فَقَالَ مَالِكٌ: مَا أَدْرِي، أَهْلُ الْعِلْمِ بِبِلَدِنَا لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَلا يَقْعُدُونَ عَنْهُ، وَلا يُنْكِرُهُ إِلاّ غَبِيٌّ جَاهِلٌ، أَوْ نَاسِكٌ عِرَاقِيٌّ غَلِيظُ الطَّبْعِ " .واسمع إلى رد الإمام الشافعي رضي الله عنه، حين سأله يونس بن عبد الأعلى عن إباحة أهل المدينة السماع، فقال الشافعي: لا أعلم أحداً من علماء الحجاز كره السماع إلاّ ما كان منه في الأوصاف. هؤلاءِ أئمة مذاهب ومع ذلك كان للفن عندهم قيمة، أما المحدثين فلم يميزوا ولم يستثنوا، فحرّموا الغناء على إطلاقه، وحرموا الصور على إطلاقها، وكل مبتدعٍ فني جميل، يرقى بذوق الإنسان، ويسمو بخلقه حتى أنك لا تراهم يرتادون المعارض التشكيلية، ولا يشاركون في الملتقيات الفنية..!

يقول الدكتور عدنان إبراهيم: "لم نتعلم ما هو الفن ما هو الأدب؟ ماهي الرواية؟ لم نفهم ما هي أهداف الرواية؟ كل أديب هو ملتزم بمعنى أو بآخر، كل أديب يخرج من رحم الواقع ثم يثور على هذا الواقع ويريد أن يحررنا من ظلام هذا الواقع، وكل أديب له رسالة لا يمكن أن تصلك بالطريقة التقريرية الوعظية. أنا أقترح لعلاج نزعات الكره والحقد والغضب المهلك المدمر أقترح العلاج بالفن".. وفي مبادرة "نداء السلام" التي خضنا غمارها طوال عدّة أشهر واشترك فيها 155 طفلاً من أكثر من ستين دولة وجدتُ أن الطفل العربي غير متعمّقٍ في نظرتهِ للفن، فهو يعبّر بسطحية عن موضوع السلام، ويستخدم المفردات الأبرز التي لا تحتاجُ إلى عناء..! وهذا يعكس نظرة المجتمع والمدارس إلى الفن والأدب..! في حين أنّ المدارس في الغرب تستخدم الفن والأدب لإيصال رسالة المنهج إلى الطالب، الرسالة القِيمية التي لا يحبذ تلقيها بواسطة الكلمات المجردة الشحيحة من الأحاسيس والصورة والتفاعل الشعوري.

كنا نتحصّل من المدارس على روايات نقرأها كجزءٍ من المقرر، وتم التنازل عنها لهذا نشأ جيلٌ لا يقرأ، بل لا يفقه معاني الكلام، حياته قاحلة الشعور، لم ينغمس في الأدب ولم يعايش التجارب الإنسانية التي يعرض تفاصيلها، لهذا لم يتغير، فهو في تراجعٍ مستمر..! ما قيمة الإنسانِ إذن إن لم يمتلئ جنانه بالمشاعر الإنسانية الجياشة، وتزدهر نفسيته ولغته بالأحاسيس الرقيقة..؟! يروي الشيخ الحبيب الجفري عن تأثره وبكاءه عند سماعه لأغنيتي أم كلثوم "أمل حياتي" وأنت عمري" وحين سأل الشاعر الكبير أحمد شفيق كامل قال له: أقسم بالله أنني كتبتها في الروضة الشريفة مخاطباً بها الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يعرف أحد ذلك عدا الفنانة الراحلة أم كلثوم وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، معقباً على ذلك بأن صناعة الفن ثقيلة تحتاج إلى ثورة مثقفين، وموضحاً أنّ الفن حلاله حلال وحرامه حرام".

حين تواصلَ معي معالي وزير التربية والتعليم السابق إبّان الأوامر السامية بالاهتمام بالمسرح والدراما وقد كنتُ حينها خارج البلد، وطلب مني مقترحات في هذا الشأن قلت: لا بد من وجود أسس نظرية كي يتعلّم كل طالب –خاصة الموهوب- معنى الفن وقيمته وأثره فيه وفي المجتمع، فألّفت كتابي "مفاهيم أساسية في المسرح والدراما" الذي أصدرته وزارة التربية والتعليم.

إن الاهتمام بالفنون والآداب هو اعتناء بالذوق، والجمال، وهاتان القيمتان تنتجان الطرق السليمة للتفاعل مع الناس والأشياء، فإذا تخلى الإنسان عنهما أصبح كالآلة التي تتحرك وفق أوامرٍ ونواهٍ لا وفق مشاعر وأذواق وأحاسيس..! فإذا أنت نظرت إلى الذين تشددوا وتزمّتوا واكفهرت وجوههم وقست قلوبهم وجدتهم لا يعرفون للجمال سبيلاً، ولا للفن والأدب طريقاً..! أمّا الذين عرفوا هذه الأنساق الجميلة فهم أصحابُ أفهامٍ واسعة، وقلوبٍ رحبة، وعطاءاتٍ عميقة.. غاب الناسُ عن الشعر فأصبح عدد من يحضر الأمسيات الشعرية يكاد يماثل عدد الأصابع، ذلك لأنّ المجتمع لم يجعل للشعر القيمة التي يستحقها، والمنـزلة التي يستأهلها..! لا يترعرعُ الأدب والفن إلا في ظلِّ دولةٍ تضعُه على رأس أولوياتها، وفي صدر اهتماماتها، فهو اللبنة الأولى لبناء الإنسان، إذ لا يمكن بناء الإنسان معرفياً قبل أن يكون بناؤه جمالياً فذلك مما يرقّي ذوقه، ويفتح عقله على آفاق واسعة، ويجعله منسجماً مع ذاته، ومتصالحاً مع نفسه.. يقولErnst levy ستبدأ الإنسانيّة بالتحسّن عندما نأخذ الفن على محمل الجد كما الفيزياء أو الكيمياء أو المال"..!.

الفنون والآداب تنتجُ جيلاً صافي الأذهان، راقي الذوق، واسع التطلعات، رحب النفوس، قادر على الابتكار، متحفّز على الإبداع، مقبل على كل جديد، فإذا أردنا أن نبني الإنسان بناءً حقيقياً فإنّ علينا أن نتعهده بالفنّ والآداب منذ نعومة أظفاره، لكي ينشأ على سليقة فطرية ذات عمق واتساع وبُعد، ويكبرُ على طبيعة تجنّبه الوقوع في أفخاخ الذين يصوّرون له القبائح على أنّها جماليات، والشنائع على أنّها حسنات..!!