الجمعة, 16 نوفمبر 2018

خبر : مواطنون: خلافات الميراث باعث على قطع الأرحام في قاعات المحاكم

الأربعاء 11 مايو 2016 01:17 ص بتوقيت مسقط

في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية وسيادة آفة الطمع

حمودة: نظام الميراث يتفق مع الفطرة البشرية ويجب أن يخضع له كافة الورثة عن اقتناع

الحديدي: بعض الأشقاء يتحايلون بالادعاء أنهم يملكون جزءًا من الميراث بوثائق قد تكون مزوّرة

أجمع عدد من المواطنين والخبراء القانونيين على أنّ الميراث أحيانًا ما يكون سببًا مباشرا للخلافات الأسرية بين الأشقاء والأقارب، حتى أنّ بعض العائلات تصل بها الخلافات إلى قاعات المحاكم، ويستمر الخلاف حتى يورثه الأشقاء لأبنائهم من بعدهم، مما يؤدي إلى قطع الأرحام بين الأسر، طالما يسيطر على أحد الأطراف الشعور بالظلم والغبن. وأشار المشاركون في استطلاع "الرؤية" إلى أنّ الدين الإسلامي أسس قواعد تشريعية عادلة لتوزيع الميراث تراعي كافة الحقوق، ورغم ذلك يتم تجاوزها بسبب الجهل أو الطمع مما يولد الخلافات بين أفراد الأسرة بدلا من تحقيق قيم العدالة والألفة.

الرؤية - محمد قنات

وقال المستشار القانوني الدكتور فتحي حمودة إنّ الاقتصاد هو عصب الحياة، ومن البديهي أن يهتم أي إنسان بآلية الانتفاع بالأموال التي جمعها على مدار حياته من بعده. وهذه الأموال اتفق الفقه الاجتماعى والقانونى في جميع أنحاء العالم على تسميتها بالتركة، وهي تلك الأموال المملوكة لشخص طبيعى، توفى ولم يستنفذها، فتركها لأشخاص أحياء ينتفعون بها، وهؤلاء الأشخاص المنتفعون بالتركة، إما من أقارب المتوفى ويطلق عليهم ورثة، أو من غيرهم إن لم يكن له وارث. لافتا إلى أن بين الإنسان والمال علاقة نظمتها الشرائع المختلفة وسمتها المُلك، وبها يمكن للإنسان أن ينفرد بالتصرف في هذا المال، فيستثمره وينتفع به عيناً أو استبدالاً، فإذا تحققت هذه العلاقة كان الإنسان مالكاً والمال مملوكاً.

وأضاف الدكتور حمودة أنّ الميراث بصفة عامة له أهميّة اقتصادية واجتماعية وسياسية بالغة، وتناولته التشريعات القديمة والحديثة على حد سواء فهو نظام اجتماعي وقانونى قديم، وهو نظام يرتبط بالوظيفة المحددة للمال، فالمال له وظيفة اجتماعية قصوى وليس مجرد أشياء تدخل الذمة المالية لأفراد المجتمع، لذلك فإنّ الإسلام قد حدد وظيفة المال وأوجب استخدامه في سد حاجات ورفاهية المجتمع، كما أنّ تشريع الإسلام هو أعدل تلك الشرائع لأنّه من وضع ربّ العالمين، الخبير بأسرار النفس البشرية، العليم بما يصلح العباد وما يصلح لهم في الدارين، لذلك نراه يبطل من نظام الإرث في الجاهلية ما كان منشؤه الهوى والمصلحة، ويرفع الظلم عن بعض الفئات ويرسم للجميع طريقاً واضحاً ويأمرهم باتباعه، ويبين للإنسان أنّه لا يدري من أين يأتيه النفع أو الضرر فيقول سبحانه وتعالى: بعد أنّ بيّن نصيب كل وارث من التركة (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء/ 11).

عدالة الفطرة البشرية

وأكّد الدكتور حمودة أنّ نظام الميراث يؤدى بصفة عامة وفي الإسلام بصفة خاصة إلى تقليل الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الناس، ويحد من تكدس الثروة في يد فئة محدودة من الناس، ويتميز نظام الميراث بأنّه نظام هادئ، لأنّه يكون حقا للورثة، ومن ثم فهو يتفق مع الفطرة البشرية، ويشعر جميع الأطراف بالرضا من نظام التوزيع المتبع في الميراث، كل مجتمع على حسب معتقداته، وإذا كانت هناك بعض النظم الشاذة (مثل النظام الشيوعي) قد ذهبت إلى عدم مشروعية الإرث جرياً على منعها للتملك الفردي، وتعلل ذلك بأنّ قواعد العدالة تأبى أن يملك الإنسان مالاً لم يتعب في تحصيله، ومن وجه آخر يمكن أن يكون المال الموروث مجموعاً من طرق غير مشروعة، وعليه فليس من العدالة أن يعطى لمن لا يستحقه، ويبررون هذا المسلك بضرب مثل لولدين أحدهما أورّثه والده أموالاً طائلة، فهو ينفق منها ببذخ في اللهو والملذات فذلك سيكون عالة على المجتمع لا يبذل جهداً ولا يقدم عملاً، والآخر فقير لم يورثه والده شيئاً، وعليه أن يسعى ليحصل على قوت يومه فما ذنب هذا الفقير وما ميزة الغني؟ فالعدالة تقضي أن يمنع هذا التفاوت بين طبقات المجتمع، إلا أنّ مثل هذه النظم المخالفة لما فطر الله عليه الناس انقرضت بسرعة، ولم يكن لها نصيب من التطبيق سوى عدد محدود من السنوات أو العقود لا تُذكر على مدار التاريخ البشرى.

وأضاف المستشار القانوني أنّ الإسلام يعتبر الإرث حقاً مشروعاً بناءً على إباحته للتملك الفردي، فكل ما جاز أن يتملك جاز أن يورث، والإسلام يبيح التملك الفردي المشروع، فكل طريق للسعي وجمع المال حلال في الإسلام إلا ما كان عن ثلاث طرق: الظلم والغش والإضرار بالمجتمع، فلا يباح جمع المال عن طريق الظلم أو الغش ومن أجل هذا حرّم الإسلام الربا والقمار والاحتكار والغصب والسرقة وما شابهها لأنها ظلم، كما حرّم التغرير والربح الفاحش وإخفاء العيب في السلعة والكذب في رأس المال، وغير ذلك من البيوع المحرمة، لأنّها غش وحرّم الإسلام كذلك الاتجار بالخمور والمخدرات وحرّم الربح عن طريق يفسد الأخلاق العامة كالدعارة والرشوة، كما أن نظام الميراث، يعمل على زيادة الإنتاج، والحد من البطالة والكساد، فتوزيع التركة بين عدد من الورثة، يؤدي إلى زيادة فرص العمل بسبب ضخ أموال جديدة مع ملاك جدد في المجتمع، وهو ما يؤدى إلى زيادة الطلب على السلع والمنتجات النهائية، وهو الذي بدوره سيؤدي إلى زيادة الطلب على المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، ومن ثم زيادة التشغيل وفرص العمل بما يحويه هذا من فوائد جمة للمجتمع والفرد على حد سواء.

شِقاق بقاعات المحاكم

وقال حسين الحديدي إنّ قضايا الميراث تتسبب في أحيان كثيرة في خلق العداء بين الإخوة والأقارب، وربما تتسبب في قطع الرحم وتدفع بالاقارب إلى قاعات المحاكم، بسبب ظلم يشعر به البعض بدليل أنّ المحاكم خلال السنوات الأخيرة لا تخل من قضايا الميراث والنزاعات حول أنصاب متباينة للميراث للأسر من تركة المتوفي.

وأضاف الحديد أنّه في بعض الأحيان يتحايل القوي على الضعيف بوثائق مزوّرة يدّعي من خلالها تملكها بحياة المتوفي وهو ما يجعل الورثة يدخلون في دوامة الإجراءات القانونية والنزاعات مما يترك أثراً في نفوسهم وتفتر العلاقة فيما بينهم .

وقال سليمان سالم الغساني: في السابق كانت كثير من الأسر لا تنتبه كثيراً إلى مسائل الميراث، فيتم تقسيمه بين الإخوة دون أن يطمع أحد أو تثار مشاكل بفضل الروابط الاجتماعية القوية حيث كانت جميع الأسر حياتهم مرتبطة ببعضهم في السراء والضراء لكن مؤخرًا اختلف الوضع حيث أصبحت الأسر متباعدة يصعب معها الاتفاق، فتحول الميراث تبعاً للتحولات المادية والنظرة الاقتصادية بسبب ضغوط الحياة إلى سبب للخلاف، مما جعل كثيرا من الناس ينظرون إليه كمكسب مالي سهل ومهم، وذلك مرده إلى عدم التمسّك بالقيم الاجتماعية التي كانت في السابق والابتعاد عن القيم الإسلامية الرشيدة .

وأضاف الغساني أنّه على الرغم من أنّ الميراث حق وهذا ما جاء في كتاب الله عز وجل، وفي سنّة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنّ المشاكل التي تشتعل بسببه كبيرة ترجع في الغالب إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية إلى جانب طمع البعض ورغبتهم في مزيد من الاستحواذ، ولو أنّ البعض رجعوا إلى أصول الدين لوجدوا أن هناك عدالة اجتماعية خالصة في الدين الإسلامي لتقسيم الميراث، لكن تحوّل ذهنية الأفراد ورغبة كل شخص في أن يأخذ لنفسه دون أن يبالي بالآخرين زاد من الخلافات بين الإخوة والأقارب حتى أنّهم في بعض الأحيان يورثون الأبناء خلافاتهم.