الأربعاء, 26 سبتمبر 2018

خبر : ( لا توجل أيها الراحل)

الثلاثاء 09 فبراير 2016 11:46 م بتوقيت مسقط

محمد المسروري

لا أقول، على غير العادة، في بيان الحقائق المعلومة لبني البشر، إلا أنّ الأيام والليالي ذاتها، لا تتغير حالها منذ أن خلقها رب السماوات والأرض، يُداولها الله بين الناس، يزيد ليل الشتاء عندنا- وربما كذلك مع سوانا في بقاع من الأرض والأكوان وممن خلق الله كثيرًا- في طول وقته وخفيف برده الجميل في فصل يدعى الشتاء، والله أعلم بمكانته الحقة، إذ لا أجد له ميزة غير قصر نهاره، وحره المعتاد، وليل يطول سدوله على قلوب العشاق عندما لا يجدون مرفأ سواه للاختباء بين حناياه عن نظرعاذل وأذن متربص،
حسب تجربتي المتواضعة في بلاد الشمس فصلان دون سواهما حر مُقبل وحرارة مقيمة، سئمت من طغيان الآلة على مسمعي التي الزمتني العيش بين جدران خامسها يشوي الأجساد عند كل مساء، وما الإصباح منه بأمثل. قلت للنفس الملولة لما لا أترك هذا الضجيج الذي أورث أعصابي وسائر الحواس مني استساغة ما يفرزه من هواء كيف الجدران، ثم ما لبث أن كيف كيفي حتى صرت أسير هوائه٠
منقاد إليه طوعاً بغيرما قيود، أتوسله، لا بل أتسوله عندما أكون في طريقي إلى مسافة أبعد عن حد البصر، وأنا الذي لا يستغني أنفي ولا أذني عن حمل مساعد للنظر في بهيم الليل كما في وضح النهار.
يقفل فاه عن النفخ فأستجدي طبعه المعاند بإقفال مفاتيحه وإعادة إشعال همته، فيعيرني أذناً من عجين، ولكن يُعاند من هذا المزعج البليد (شايف نفسه) سأقفل كل زر يوصل إليه، ألست ابن هذه البيئة، سأقتله غيظاً بإقفاله، بل و إهماله دومًا، ولو حاول من حاول إرضائي عليه لن أرضى، إنّه مجرد جهاز مُزعج لا أكثر، لن يثني عزيمتي عن تركه وهجرانه٠
قادني فكري المتوقد ذات لحظة انفعال أن أركن سيارتي على جانب من الطريق٠وانتزعه عنوة من بين آلاتها، وأرمي بفصائصه وأسلاكه عند تلكم الحواف دون حساب لعناء موظفي البلدية الذين سيسعون إلى لملمة شتاته، وما بقي من مكوناته، قديمه وحديثه الذي كلف محفظتي كل ما كان بها وحرمت بسببه، ابنتي من طلب عزيز كان لها حلمًا تتمنى تحقيقه٠
كل ذلك بغية إصلاح هذا البغيض الذي أورثني لحظة الكره وهذا المزاج المضطرب.
​الدم يغلي في عروق جسدي، لا أدري أيُها اتسع عن حدٍ كان عليه، ولا يقين عندي عن أيها ضاق عن تدفق ماء ودماء بعد أن ذابت كل الدهون المتصلبة على جدرانها عندما تجاوز حد إغضابي الغضب. كل ما كان بوسعي عمله ساعتها أن أفتح نافذة للهواء لأسكنه رئتي على أقل تقدير، فكان النفير والصفير وحر الظهير المستطير ولا أدري إن كنت عدت فعلاً لحظتها إلى رشدي أم أن أصابعي لا زالت في كف يدي لم أقطعها أفرادًا وأزواجًا ندمًا على ما كنت نويت فعله عندما تبين لي أنّ ساعة داخل تلك العلبة المصفحة بالبلاستيك والحديد أقل حرارة من ثانية في لهيب الحرارة القادم من أيّ اتجاه، إذ الطبيعة في الحرارة سواء وتجربتي في البرودة ضعيفة إن لم تكن معدومة. عندها تذكرت قصة قيل إنها أسطورة من أرض العرب، وهي ذات الأساطير والطير النفير. حيكت أو حدثت في صحارى أحد مواطن العرب.
ذكر أن صقارًا (من يدرب أو يتخذ الصقور وسيلة للصيد) ذهب للفلاة يومًا مع صقر له، ضل طريقه بين فضاءاتها، ألجأه التعب في ظهيرة حر متدفق شمسًا، ورياحاً لافحة، إلى فيء شجرة في مكان قصي، لقد جفت شفتاه عطشًا بعد أن نامت ضفادع بطنه عن نقيق الالتواء استسلامًا لحال كان عليه.
انفرجت أساريره لحظة بالأمل المفعم بالحياة، عندما لحظ قطرات ماء تنساب متقطعة من بين أغصان الشجرة، لملم الطين حول مركزه ليشكل منه وعاء لجمع قطرات الماء تلك، بدأ في عين بصيرة ظمئه الحاضرة أنها بحيرة من الماء القراح، بدأت تتكون وستكون بعد هنيهة فائضة عن ري الظمآن ولكن ليعوم فيها كذلك.
راودته النفس أن يُسرع بأخذ جرعات من زلال الماء المتفجر في ناظره، وما أن هم بلثم حافته حتى انقض الصقر إلى ذلك الوعاء الطيني فدمره بمخالبه. استشاط الصقار غيظًا من فعلة الصقر عندما دمر بطيشه وعاء الماء وحرمه من شرب زلاله، فاستل - بشهامة العربي المعهودة- سيفه وبلحظة خاطفة كان رأس الصقر ريشة للريح وجسده على أطراف الظل يدعو لقاتله بالشفاء. وما أن سكن غضب الصقار وقد شفي غليله بقتل الصقر المشاكس الذي لم يرع علائق الود والصداقة بتدميره حوض المياه دون أن يمهله لبل ريق جف منه بفعل العطش والإعياء في صحراء خلت من أخضر سوى هذه الشجيرة المعاندة لرياح السموم القادمة من جفاف الصحاري.
أرسل بصره بين أفرع الشجرة عله يهتدي إلى مصدر الماء الذي بدأت قطراته بطيئة لدرجة التوقف ليزداد منه، وعقله الباطن يرسل استغاثة استدرار مزيده فكانت المفاجأة التي كانت له الفاجعة عندما تبيّن له أنّ نقاط الماء تلك لم تكن سوى سم زعاف يسيل من ناب أفعى نفقت جوعًا وعطشًا فالتجأت للشجرة التي كانت آخر ملجأ لحياتها القصيرة، ركض برجله ليشكُر الصقر على حسن فعلته ولكن بعد أن فات الأوان ولات حين مناص. وقيل كذلك إنّ للقصة أو الأسطورة شخوص أخرى ورموز مختلفة ولكن ذاك السائد في مجتمعنا.