الأحد, 19 نوفمبر 2017
19 °c

خبر : أزمة المفاهيم الإسلاميَّة في الخطاب والتشريع

الإثنين 30 نوفمبر 2015 12:07 ص بتوقيت مسقط

أسماء الشامسيَّة

إنَّ علم المصطلحات في الثقافة الإسلامية -باعتباره اللغة الفنية الخاصة لأي علم من العلوم- هو ما يُحاول الكاتب هاني نسيره تتبُّعه عبر مراحله التاريخية، وإثبات فشل مُحاولات حَسْم الجَدل من خلال الفِرَق والمذاهب والجماعات الإسلامية التي سَعَت من أجل تأسيس مصطلحها الخاص.. مُنهيًا مُقارباته بتحديد مفهوم الشريعة وبيان اختلافه عن العقيدة وفقًا لسلسة تقصٍّ تاريخية عبر مقاله "مشاكل تأسيس المفاهيم في الخطاب الإسلامي: قراءة تاريخية وتحليلية (مفهوم الشريعة نموذجًا)".

يُرجِع نسيره بداية دخول الخطاب الإسلامي الأول مزالق الجدل الكلامي والغيبي -أو الفلسفي والقدري- إلى القرن الثاني الهجري؛ إذ لم يكن قبلها قد انتظمت قواعد عصر التدوين بعد، وإذ تأسَّست العلوم الإسلامية (الشرعية) وبدأ تدوين تفسير القرآن الكريم، ظهر أول تفسير مطبوع لسليمان الثوري، ثم تلتها تدوينات لتفاسير أخرى بالموازاة مع ذلك، وبدأ أيضًا تدوين الحديث النبوي، وأوكل تدوين الحديث كمهمة من مهام الدولة في عصر عُمر بن عبدالعزيز، ومن هُنا ظهرتْ عُلوم الحديث والفقه وأصوله وعلم الكلام.

ويسترسلُ نسيره في تتبُّع بزوغ عدة ظواهر مُعدِّدًا أسبابها وظروفها التاريخية؛ فمنذ القرن الثالث الهجري ظهر ما يُسمَّى بـ"الاجتهاد الإسلامي"، فضلاً عن ولادة المذاهب "الكلامية والفقية والصوفيّة"، وأنَّ هذا التعدُّد في القراءات القُرآنية والحديثية واختلاف تأويلاتها وتصوراتها أنتجَ الحاجة للضبط الاصطلاحي.

ثم يتَّجه إلى بيَان وظيفة التأويل التي "لا تقوم إلا بتجاوز اللغة ومدلولاتها الاشتقاقية إلى رحاب الاصطلاحات التضمينية"، ومنشأ الجدل بين "النص والتأويل"، أو بين "الثابت والمتحوّل"، أو بَيْن الإسلام كدين وكتاب قائم على الوضوح والإبانة، وبين الإسلام الأيديولوجي (الكلامي والفقهي) ثم الجماعاتي (في العصر الحديث).

وبالرَّغم من الظهورالمُبكر لكتب وموسوعات "المصطلح"، إلا أنَّ أزمة "المصطلح" ظلت ماثلة في ظل الأيديولوجيا الإسلامية للجماعات الإسلامية المتأخرة، يضرب مثلاً عليها بأبي الأعلى المودودي الذي حاول كشف المدلولات الأربعة (الإله- الرب- الدين- العبادة)، وتوظيفها على مستوى الشريعة.

... إنَّ ما يُحاول نسيره قوله أنَّ محاولة الإسلام الأيديولوجي ابتكار مفاهيمه الخاصة أدى إلى انحيازه إلى "الذاتية"؛ فعندما يرى أبو الأعلى المودودي أنَّه أصاب في تعريف الاصطلاحات الأربعة التي ذكرناها سابقًا، تبِيْن له -وفق تصوره- أسبابُ ضَعْف عقائد الناس بقوله "خَفِي على معظم الناس تعاليم القرآن وغابت عنهم روحه السامية وفكرته المركزية، وهو ما جعل الضعف والوهن يصيب عقائدهم"، وأقول إنَّ هذه الأحكام التأسيسية الأولى للإسلام الأيديولوجي أولاً السياسي ثانيًا هي حاضنة "تخطئة الآخر"، وحاضنة لـ"التكفير" الذي بدَوْره أنتجَ المحصلة النهائية لجماعات العُنف السياسي.

ويُعرِّج نسيره على أسباب استمرار أزمة المصطلح في الخطاب الإسلامي كلازِمة تاريخية، ويردها إلى سببين:

أولا: إلى طبيعة اللغة العربية؛ كونها قائمة على المجاز في المقام الأول؛ مما يُتيح قابلية لتوليد المصطلح ومعناه باستمرار.

ثانيًا: التمايز والعنف الأيديولوجي وهو الاستغراق التأويلي الذاتي للمذاهب والفرق؛ إذ أنتجَت كلُّ فرقة قاموسها التأويلي الخاص؛ مما أدى إلى إصرار كل منها عل سلب الفرق الأخرى مشروعيتها.

وبرغم ذلك، يؤكد نسيره دور المسلمين الرائد في التأسيس لعلوم الاصطلاح بالرغم من الوطأة الأيديولوجية قديما وحديثًا، ولقد كانت البداية على يد الخوارزمي في كتابه "مفاتيح العلوم"، تلاه كتاب "التعريفات" لأبي الحسن الجرجاني، ويختلف نسيره مع محمد عابد الجابري حول أنَّ الحركات المُتطرفة القديمة كانت تمارس التطرف والغلو على مستوى العقيدة، فيما الحركات المتطرفة المُعاصرة تُمارسه على مستوى الشريعة؛ فالعلاقة بين ذات الله وصفاته والعدل الإلهي والجبر والاختيار وكيفية الخلق وكذلك قضية الإمامة "الخلافة" طُرحَت من قبل الخوارج والحركات الباطنية على مستوى العقيدة؛ بسبب وجود نظام اجتماعي واحد على مستوى واحد من التطور، فما كان لينشأ منه خلاف على مستوى الشريعة. إنَّ هذه الرؤية لا تصحُّ في رأي نسيره؛ وذلك لأنَّ الشريعة أعم من العقيدة في الأصل القرآني أولاً، وأنَّ الخلاف حول الأحكام العملية كان أبكرَ منَ الخلاف على "التكفير العقدي"، ويُدلل على ذلك الخلاف منذ فتنة عُثمان مثلَ توزيع الغنائم والفيئ، وعقابه عبدالله بن مسعود وعمار بن ياسر، والخلاف حول إرث النبي ونصيب أهله منه بعد وفاته؛ فالتكفير العقدي ظهر بعد احتدام الصراع والاختلاف وضرورة تأكيد التمايز مذهبيا وطائفيا.

وإذ إنَّ لمفهوم الشريعة دلالات؛ فلكل دلالة وظيفتها وعلاقاتها وفقًا للحركات الإسلامية؛ فمرة تُعرَّف الشريعة وفقًا للحركات الأصولية الراديكالية بوصفها "حُكم الله أو حُكم الإسلام"؛ أي تنفيذ أوامره في المجال العام سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وفرديًّا؛ بدءًا من تطبيق الحُدود مرورًا بإلزام الأفراد بالسلوك الإسلامي الخاص بهم وبمجتمعهم بما في ذلك إلزام ارتداء النقاب وتحريم الفنون والموسيقَا وربما إطلاق اللحى ومنع عمل المرأة، ويكون الرافض لهذا الحكم في حُكم الكافر أو المُباح الدم. وأهم ما يقوم به مدلول الشريعة هذا هو دمج الاجتهادات الفقهية والفكرية (البشرية) بالمقدس (القرآن والحديث المتواتر) في مقولة واحدة هي الشريعة قياسًا إلى مرجعية هذه الاجتهادات، بغضِّ النظر عن مَصْدرها أو تاريخيتها. ومن ضِمْن وظائف هذه الحركة تكفير الاتجاهات العلمانية أو القوانين الوضعية أو الحاكمية بها؛ وبذلك يكون "الفقه" مُرادفًا للشريعة.

أمَّا بالنسبة للمدلول الثاني فهو "القانون الإسلامي"؛ وهو الاكفتاء النظري للمجتمعات الإسلامية، واستغنائها عن أي قوانين أخرى لا تنتمي لمرجعيتها، وهو مفهوم يُنتج فكرة "أسلمة العلوم"، والتصور الشامل للإسلام كمنهج حياة أو كونه "دين ودولة". وأما أكثر المفاهيم اختزالاً فيُحاول أن يُثبتَ غياب تطبيق الشريعة عن المجتمعات الإسلامية بأكثر دليلٍ ظاهرٍ، وهو تهميش "تطبيق الحدود"، محاولين الاستدلال تاريخيا ببراهين مجتزئة وغير صحيحة تفصيليا.

ويصلُ نسيره إلى تعريف الشريعة، مُستدلاً بآيات القرآن الكريم؛ باعتبارها "أوامر الله ونواهيه في جملتها؛ باعتبارها طريقًا خطَّه الله لعباده لمعرفته وتصحيح اعتقادهم وأحوالهم، وهي بذلك أعم من العقيدة لامتدادها نحو الاجتماع والمجال العام".

وفي رأيي أنَّ الجَدَل حول الشريعة أم العقيدة أيهما أتَى أولاً على مستوى المُمارسَة، فإنه وإن كان مفهوم الشريعَة أعم من مفهوم العقيدة، فلا يعني أنَّ الحركات الإسلامية قديمًا كانت لتتحرَّى دقة أيهما أحق أن يُتبع حتى وإن كانت تعي ذلك، وهذا بسبب المطامع السياسية على الخلافة، هذه الأخيرة التي ينبغي فصلها عن المصطلحات الإسلامية الأخرى؛ لأنها اصطلاحٌ سياسيٌّ قائم بذاته، أُقحمَ دينيًّا أو أريدَ له أن يُقحم من أجل تمرير غايات كالسلطة السياسية. ومع ذلك، لا خِلَاف حول عصر النبي -عليه الصلاة والسلام- والصحابة الذي وإن ظهرتْ فيه فروق في الآراء بين الصحابة لم تصل إلى حد الاختلاف العقدي بسبب حضور الشارع -وهو النبي محمد- وبعد وفاته كانت تعاليم الشارع -النبي- أقربَ إلى أن يُهتدى إليها قبل تبدُّل الأحوال المعاشة والحياة التي أصبحَ الخلافُ حولها أبعدَ من أن تُقارب بتعاليم النبي بسبب ظهور فرق ومذاهب مُنحت كل منها حقيقة خاصة بها. وبسبب التأويلات الظاهرة والباطنة للنص القرآني، فضلاً عن أنَّ تحديد مرحلة بعينها وخصِّها بخصيصة العقيدة أو الشريعة، فيه اجتزاء للمرحلة التاريخية ولأصل الخلاف الإسلامي/الإسلامي، خصوصًا وأنَّ هذا الخلاف بدأ عقديًّا واستمرَّ عقديًّا فيما كانت مظاهره على مستوى الشريعة أو تطبيقها؛ فلا حركات السلفية الجهادية -مُمثلة في جماعات العنف السياسي- ولا حركات الإصلاح الإسلامية -ممثلة في الإخوان المسلمين- ولا الطوائف المذهبية عند السنة والشيعة والإباضية والزيدية، بل وضمن المذهب ذاته توصلت إلى صِيَغ توافقية على المصطلحات والمفاهيم الإسلامية، بل قفزتْ من كون المصطلح مُشرعًا على مستوى المذهب نفسه إلى إمكانية صوغه واقعيا في مجالات الحياة العامة؛ مما أنتج استمرارية خطاب الغلو والتطرُّف.