الأحد, 19 نوفمبر 2017
19 °c

خبر : غروب الفكر العربي

الأحد 29 نوفمبر 2015 11:48 م بتوقيت مسقط

نوف السعيدي

تناقش دراسة فيصل الحفيان (بحسب ما أشار إليه د.فيصل عبدالسلام الحفيان منَسِّق برامج بمعهد المخطوطات العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "أليسكو") المعنونة بـ "من ابن البيطار إلى الأنطاكي مساءلات لزمن غروب الفكر العلمي العربي" مسائل مثيرة حول الحركة العلمية العربية، فالبحث -كما يقول الكاتب- عبارة عن "محاولة للخروج من نفق المفهوم الساذج للتراث، مفهوم التغني والتبجيل، إلى فضاء أسمى، هو فضاء المحاورة والمساءلة... فالتراث بعض التاريخ، وقيمة التاريخ تكمن في دروسه أولا".

يُحاكم الباحث بداية قيمة النهضة العلمية العربية عبر مناقشة قناعات راسخة في الفكر العربي. كاعتبار العلم العربي الإسلامي "قفزة" في تاريخ العلم، بينما المعرفة - كما نعلم - بنائية وهي لا تنجح في التقدم إلا مع ارتكازها على أسس من العلوم السابقة، ورغم أن العرب يعترفون بأهمية الترجمة، وما اعتمدوه من مصادر السابقين إلا أنهم يصرون على رؤية العلم العربي الإسلامي ذا عمق خاص، وهذا الأمر ليس دقيقاً بالضرورة.

يُحدد الكاتب ركائز النهوض العلمي في ركيزتين: الجدة والاختلاف، مع التحلي بالحيوية، وقابلية النقد. إن هاتين الركيزتين تقرران موضع الظاهرة العلمية ومكانتها.

أسباب الغروب

هناك مجموعة من الأسباب التي أدت لانحدار الحركة العلمية في الحضارة العربية، كلها تؤدي للنتيجة النهائية المتمثلة في تهميش العلوم العقلية على حساب العلوم النقلية. وهذه هي بعض المسببات:

- تزمت العلماء: رأي ابن تيمية القائل بأنّ نوع العلم الوحيد المعترف به هو العلم الشرعي، وللرجل أيضًا موقف معادٍ لحركة الترجمة (انظر: جورج طرابيشي، هرطقات عن الديمقراطية والعولمة والحداثة والممانعة العربية، دار الساقي، الطبعة الأولى 2006، ص52‏). كما أنّ للإمام الغزالي أيضًا موقف من الفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضيات أوضحه في كتابه "تهافت الفلاسفة" ورغم أن علماً ما كالرياضيات لا يمكن أن يمس الدين إلا أنه برأيه يُغري بما بعده. الإمام الشافعي قيّد القياس لصالح النص (الدليل النقلي). قال الأشعري بنظرية الكسب والتي أسقطت مسؤولية الإنسان في أفعاله. قال الباقلاني بنظرية "الجوهر الفرد" وترتب عليها إلغاء قوانين الكون، وإقصاء العلوم العقلية.

- انحراف الفهم: فهم الكثيرون أن العلم المقصود في قول الرسول:"أعوذ بالله من علم لا ينفع" هو العلوم العقلية.

- تحريم المنطق. وفق فتوى لابن الصلاح.

- السُلطة: "ذكر ابن الأثير في حوادث سنة 277 هـ أنّه كان على النساخ المحترفين ببغداد أن يقسموا بأنهم لن يشتغلوا باستنساخ أيّ كتاب في الفلسفة".

- الطعن في إيمان العلماء المشتغلين في العلوم.

- محاولة إسقاط قوانين وأدوات العلوم النقلية على العلوم العقلية. وهو أمر لا يمكن القبول به إذ إنّ "خصوصية المجال المعرفي وطبيعته هي التي تحكم أسسه ومناهج البحث فيه. علوم النقل تقوم على ثوابت - بعضها غيبية - ولا يمكن إخضاعها لقوانين العلم... ومن غير المقبول أن نتعامل مع أحد المجالين بمنطق الآخر."

وللمستشرقين رأي مثير حول موضوع النهضة العربية إذ يقولون: "لولا الأشعري والباقلاني والغزالي لكان ممكناً أن يصبح لدى أمة العرب علماء أمثال جاليليو وكبلر ونيوتن. إن شعلة العلم العربي انطفأت بسبب مجال التفكير الضيق المحدود، والسيطرة الكاملة تقريباً لمذهب محافظ متزمت، متعارض مع الازدهار المطلق الحرية للبحث والنقد العلميين".

الطب العربي الإسلامي - مساءلات خاصة

في هذه الجزئية يناقش الباحث الحركة العلمية في مجال الطب. تكمن خصوصية الطب في أنه:

1- مجال الطب بعيد عن العلوم الإشكالية وإن اعتمد عليها وتداخل معها أحياناً.

2- الحاجة الملحة له باعتباره ضروريا لحياة الإنسان؛ بحيث يصعب الاستغناء عنه أو محاربته.

يتناول البحث في هذه الجزئية نموذجين: ابن البيطار والأنطاكي باعتبارهما عالمين حقيقيين كانا شاهدي البدء والنهاية. حيث وجد ابن البيطار في مرحلة الألق ووجد الأنطاكي في مرحلة المراوحة التي تسبق مرحلة التداعي، والتي يقول عنها الكاتب بأنها: "حركة توازي السكون، لأنها توهم بالانتقال وليست في الحقيقة كذلك".

الخلاصة

تكمن أهمية وجود مثل هذه الأبحاث في أنها أولاً تنزع صفة القداسة عن التراث وتضع القناعات البديهية موضع شك. وثانيًا في أنها تكشف الأسباب التي قد تكون باقية إلى الآن كحائل دون مواكبة الحركة العلمية المعاصرة: كتلك المتعلقة بالظروف الاجتماعية أو السياسية أو الدينية، أو تلك المتعلقة بأهلية وكفاءة الطاقات البشرية.