الأربعاء, 19 سبتمبر 2018

خبر : ثقافة السَّلام

الأحد 29 نوفمبر 2015 11:33 م بتوقيت مسقط

إيمان الحوسنيَّة

تتناولُ الدكتورة سعاد الحكيم في بحثها عن "ثقافة التغيير وتغيير الثقافة: الإسلام وثقافة السلام" قضيَّة مُهمَّة جدًّا؛ وهي: مقدرة العالم الإسلامي على تأسيس منهج جديد مبنيٍّ على ثقافة السلام المستمد من الإسلام ذاته؛ لانتشال نفسه من براثن الحركات الأصولية المتعصبة والعنف والطائفية، في عالم أصبحتْ فيه عَمَامات التحريض على المذهبية وإقصاء التعددية السمة البارزة في كثير من الخطابات الدينية. ومن هذا المنطلق، حاولتْ الدكتورة سعاد تقديم منهج إسلامي يُساعد على إرساء ثقافة السلام؛ حيث تطرَّقت في بداية بحثها على الحديث في أن "السلام قيمة إسلامية"، واستعرضتْ العديدَ من الآيات والأحاديث التي تحثُّ على نشر ثقافة السلام؛ بدءا من تحية الإسلام "السلام عليكم"، مررورا بذكر أنَّ المسلم الحقيقي هو من "سلم الناس من لسانه ويده"، وانتهاءا بقولها إنَّ الأصل في علاقة المسلمين فيما بينهم والغير هو السلم، وأنَّ الحرب مجرَّد استثناء، وهذا رأي أغلب الفقهاء.

وبعدها، انتقلتْ إلى الحديثِ عن أهم المنطلقات الإسلامية التي تُساهم في ترسيخ ثقافة السلام؛ والتي أهمها: وحدة الإنسانية والإنسان، ووحدة الدين والتاريخ، التي دعا إليها الإسلام؛ حيث تقول فيما يتعلق بوحدة الإنسانية والإنسان، بأنَّ الإسلام ساوى بين جميع البشر، ولم يُفاضل بينهم في العرق أو الطبقة أو القومية إلا بالتقوى والعمل الصالح، وأنَّ القرآن لا يُخاطب المسلمين وحسب، وإنما "الناس"؛ مُستعرضة العديدَ من الآيات التي تدلُّ على ذلك، كذلك فإن رسالة الرسول هي رسالة للعالمين أجمعيْن غير محصورة في بقعة جغرافية واحدة فقط. أما فيما يتعلق بوحدة الدين والتاريخ، فقد ذكرتْ أنَّ الدين عند الله واحد، منذ خلق آدم وانتهاء برسالة النبي محمد؛ وبالتالي فإنَّ الإسلامَ كدين ليس فقط موجودا في حقبة زمنية معينة، وإنما هو مَوْجُود منذ بدء وجود التاريخ البشري؛ فالدين هو الإسلام، ولكن الشرائع التي أتى بها الأنبياء هي التي تختلف، وتتعدَّد حتى تُواكب التغيُّرات المختلفة في كلِّ مُجتمع. وبعدها، تحدَّثت الدكتورة عن أنَّ ثقافة السلام في الإسلام ليست فقط سياسية تتعلق بعلاقتنا مع الدول الأخرى والشعوب غير المسلمة، وإنما هي ثقافة شاملة لكل جوانب الحياة؛ فالسلام مع الآخر لن يكون دون أن يكون في قلب كلِّ مسلم سلام داخلي نابع من ذاته باقتناع؛ فكيف ندعو إلى ثقافة السلام ونحن لا نطبِّق هذه الثقافة في أسرنا ومجتمعاتنا وأوطاننا؛ فالسلام يبدأ من النفس وتربيتها والمحافظة عليها، وينتهي بعلاقاتنا مع الآخرين؛ فلا سلام مع الآخر دون سلام داخلي مع النفس، واستعرضتْ العديد من الجوانب الإسلامية التي تهتم بذلك؛ فالرسول الكريم محمد دعا إلى الاهتمام بالنفس، واعتبر أنَّ أعظمَ جهاد هو جهاد النفس، ودعا إلى الاهتمام بالصحة الجسدية أيضا، وأن يكون كل فرد مسؤولا عن رعيته "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"؛ فمن خلال الأسرة نربي في أبنائنا ثقافة السلام، وختمت بحثها بالحديث عن مركزية الإنسان التي دعا لها الإسلام؛ فالإسلام يهتم بسلامة الإنسان في بدنه وأمواله ودمه، واستعرضت العديد من الآيات والأحاديث الداعية لذلك، كذلك تطرقت إلى قضية "الأحادية" في التفكير التي تعيشها المجتمعات الإسلامية؛ حيث تسير وفق فكر واحد، رافضة التعددية الفكرية التي دعا لها الإسلام، بقوله "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"، وكذلك "لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم"؛ فالأصل هو التعددية والتعايش السلمي مع الآخر؛ فالتعارف هو ما يجب أن يكون في علاقتنا مع الآخر المختلف عنا.

وهنا.. فإنَّ لي مُلاحظات على ما تطرقت إليه الدكتورة؛ أولها: أنَّ المجتمعات الإسلامية تعيش خللا نفسي وفكريا، ذلك أن مفهوم "الإسلام" أصْبَح ضبابيًّا على العديد من المسلمين، وهم يرون كل فرقة تدَّعي أنَّ لديها الإسلامَ الحقيقيَّ، فإلى الآن لا يزال هناك فقهاء يرون أن الأصل في الإسلام هو الحرب، وأن السلم استثناء، وهناك شباب يتبنُّون مثل هذا التوجه، مُستدلين على ذلك بنصوص دينية من الفقه الإسلامي ورموزه؛ فإذا كان من يمثل الإسلام يبث مثل هذه الأفكار، فمن هو المخوَّل بالحديث عن الإسلام الحقيقي؟ هل أصحاب الحركات الداعية للعودة إلى منهج السلف بكل ما فيه من اختلافات عن عصرنا، أم مَنْ يدعون إلى تجديد الدين وعقلنته لمواكبة العصر، أم مَنْ يدعون إلى تأريخية النص الديني وانتهاء صلاحيته فيما يتعلق بالأحكام الشرعية؟

كذلك فإنَّ هناك ضبابية فيما يتعلق بوحدة الدين؛ حيث تقول الدكتورة سعاد إنَّ الإسلام منذ آدم إلى محمد، وأنَّ الشرائع هي التي تتعدَّد، وهذا نسمعه من العديدين، ولكن حينما يأتي التطبيق فيما يتعلق بقبول الآخر المختلف عنا في المعتقد، يقول العديد من الفقهاء "ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه"، وهنا يعنون بالإسلام المحمدي؛ وبالتالي فإنَّ المسيحيين واليهود...وغيرهم من أصحاب الديانات السماوية وغير السماوية مهما عملوا فإنَّ أعمالهم هباء منثور، ولن تُقبل منهم، فما فائدة أن نذكر أنَّ الإسلام دين واحد منذ آدم وبعدها نقصي الجميع من قبول أعمالهم إلا المسلمين، أليست هذه الفكرة وحسب كافية لترسيخ الاحتقار الداخلي تجاه الآخر؟ فمن المعروف في علم النفس أنَّ الإنسان الذي يتشبَّع بثقافة تجعله يعتقد أنه الناجي الوحيد وصاحب الحقيقة الوحيدة، يكبُر وفي داخل لا وَعْيِه احتقار وتقزيم للآخر مهما ادَّعى التسامح، وحاول تمثيل ذلك، كذلك فإنَّ هناك نقطة مهمة جدًّا، فيما يتعلق بتعليم أطفالنا في المدارس والأسرة؛ فمن المعروف أنَّ حياة الطفل مهمَّة في ترسيخ الأفكار التي سيتبناها عندما يكبر، فإذا كانت مناهجنا التعليمية إلى الآن، تعلم الأطفال أنَّ جميع البشر في نار جهنم إلا المسلمين، وأن المسلمين هم خير أمة أخرجت للناس، وبالتالي هم الأفضل في كل شيء، فكيف نريد أن نخلق إنسانا واعيا يؤمن بثقافة السلام والتعددية؟ فقد أثبت العلم الحديث أن للكلمة تأثيرا كبيرا في عمل خلايا الدماغ، وتأثره بها، من خلال العديد من التجارب؛ فإذا ما عرضنا أطفالنا لهذه الكلمات، فكيف لنا أن نتوقَّع أنهم سيكبرون وهم مشبَّعون بثقافة السلام؟ وإذا كانت وسائل إعلامنا إلى الآن تبثُّ الطائفية، فمن أين سيستقي الفرد هذه الثقافة؟

... إنَّ ثقافة السلام إن لم تتأسَّس من منهج جديد في التفكير، فلن تغيِّرها ألف آية وحديث يدعوان لذلك، وأعني هنا هوية دينية جديدة، مبنية على الفلسفة والبحث العلمي، وليس على وجود "سلطة دينية" تحتكر التفسير لها؛ فلكي يكون هناك مركزية للإنسان، فلنفسح المجال إلى البحث عن هذا الإنسان ومأزقه الوجودي والديني من منظور فلسفي وعلمي، يُسهم في خلق هوية دينية جديدة تفتح مدارك الفرد، وليس إلى الاحتكام فقط بآراء "مجموعة قليلة من الناس" تدَّعي أنَّ لها الفهمَ الشاملَ للدين. للأسف الشديد، فنحن قد تربينا على ثقافة الاتكال على الآخر لكي نتعلم ونستمد المعرفة؛ سواء كانت دينية أو غير ديينة، وليس على ثقافة الاعتماد على النفس في البحث والتساؤل مع معونة الآخر.