الأربعاء, 26 سبتمبر 2018

خبر : يأجوج ومأجوج وجيرانهم بعيون العرب

الثلاثاء 27 أكتوبر 2015 10:35 م بتوقيت مسقط

إيناس بنت ناصر الشيادية

حينما يقع بين أيدينا شيء من كتابات شمس الدين الكيلاني فإنّه يتوجب علينا أن نكون حاضري الذهن منصتي الفكر، ممعني النظر في خيالنا المرسوم لما يكتبه ويسجله لعصور قديمة لنعيش ذلك التاريخ بتفاصيله الدقيقة، ومقاله "موقع شعوب الشرق الأقصى الكوني في المتخيل العربي" الذي بين يدي جعلني أعود لمذكرات التاريخ وكتب الجغرافيا وأفترش على طاولتي خرائط الأمم المختلفة لأفهم حقاً كيف تخيل العرب أماكن جيرانهم من الشعوب الأخرى وحضارات لا يُعلم عنها إلا الله كيأجوج ومأجوج وغيرها، وكيف عرفوها؟

يحاول شمس الدين الكيلاني في مقاله هذا إجلاء الصورة التي كونها العرب منذ قديم الزمان عن حضارات الشرق الأقصى في الهند والصين وجيرانهما في البر والبحر وخصوصاً في العصر الوسيط من ناحية التقسيم الجغرافي أو تلك التي يطلق عليها الجغرافية الكونية التي كانت مترسخة في مخيلتهم في ذلك الوقت محاولاً عرض حدودها التفصيلية البرية والبحرية ومدى قربها أو بعدها عن خطوط الاستواء مهما اختلف وصف العرب الذي استخدموه في إيضاح ذلك على قرون مختلفة.

وذكر الكيلاني في مقاله ما تداوله المصنفون العرب عن متخيلهم عن العالم في وقت مبكر نسبوه لعبد الله بن عمرو بن العاص يبدو فيه العالم على صورة طائر رأسه الصين، وخلف الصين أمة يقال لها واق واق، والجناح الأيمن الهند، وخلف الهند البحر، والجناح الأيسر الخزر، وخلفه أمتان يُقال لأحدها منشك وماشك، وخلفها يأجوج ومأجوج، وصدر الدنيا مكة والحجاز والشام والعراق ومصر.

تبدو لي أسماء بعض هذه الأمم غريبة أو ربما أسمعها للمرة الأولى، ولكن اسم يأجوج ومأجوج الذي يتردد علينا كل جمعة ونحن نقرأ قصته في سورة الكهف هو ما شد انتباهي لأوقف القراءة وأبحث في خرائط هذه الأمم، فلقد ظهر لي شمس الكيلاني هنا منصفًا بعدم تهميشه هذه الأمة في مقالته فلقد سرد الله لنا قصتها في كتابه العزيز منذ آلاف القرون، ورغم ذلك ظهر الخلاف الكبير في حقيقة هذه الأمة فمنهم من قال إن يأجوج من الترك، ومأجوج من الجبل وقال بعض المحقّقين إنّ يأجوج من المغول، وكانت هذه الأُمّة قاطنة بالشمال الشرقي من آسيا في أقدم العصور، وهي أُمّة كبيرة مهاجمة تهجم تارة على الصين، وأُخرى على القوقاز وأرمينية، وثالثة على شمال إيران، والروايات في حقيقة يأجوج ومأجوج مختلفة ولكن كل ما نعرفه عنهم أنّهم كانوا مفسدون في الأرض فضرب السدّ دونهم.

وفي القرن التاسع الميلادي استطاع العرب أن يصححوا أفكارهم القديمة عن مواقع تلك الشعوب فلقد أسهمت المعارف في عصر انبثقت فيه العلوم الجغرافية وأنماطها المتعددة كالفلكية والوصفية في تحديد مواقعهم بشكل أفضل، كما أسهمت مدونات الرحالة العرب في رسم ملامح تلك العوالم، ولا عجب حينما يقول رب العزة "وعلامات وبالنجم هم يهتدون" أن تصبح النجوم سبيل هداية لمن ضل طريقه وأراد أن يسترشد بها ليعلم من خلالها الطرق والأماكن التي قد توصله لحضارات كان يجهلها، ومن أجل ذلك استعان الجغرافيون بتأثير النجوم وهذا ما ساهم في تعديل مفاهيم موقعهم الإقليمي، وكان لزحل وعطارد دورهما الحاسم أيضاً في ذلك كما أشار كل من المسعودي وصاحب أبجد الحروف.

ورغم ذلك، لمست ضبابية في الوصف وتحيزا بل عنصرية ظالمة حينما تعلق الأمر عن بعد أو قرب تلك البلدان عن خط الاستواء شمالا وجنوباً، فيشرح ابن خلدون ذلك ويوضح أنّه ما دام الشمال والجنوب متضادين من الحر والبرد فإنّ وسطها سيكون حتما معتدلا ليس بالجو فحسب بل في كل شيء، أما الأقاليم البعيدة عن الاعتدال فبناؤهم من الطين وأكثرهم عريان من اللباس وأخلاقهم من ذلك قريبة من خلق الحيوانات العجم، كما ذهب الإدريسي على تفسير وصف أهالي الصحاري من الزنج والحبشة والنوبة وسائر السودان بذلك لقلة الرطوبة البحرية وتوالي إحراق الشمس لهم التي كان يعتقد أنها سبب في تفلفل شعورهم واسوداد ألوانهم ونتن أعراقهم وتشوه خلقهم وقلة معارفهم وفساد أذهانهم؛ فهم كما يقول "هم في نهاية الجهالة واقعون وإليها ينسبون ". كما أوضح ابن خلدون أنّ أهل الأقاليم المتوسطة هم أهل الاعتدال في خلقهم وخلقهم ولديهم من المساكن والصنائع والرئاسات والملك فكانت فيهم النبؤات، والشرائع ويضرب أمثلة على العرب والروم وفارس وبني إسرائيل واليونان وأهل السند والصين، إذ إنّه ليس من العدالة أن تصنف الشعوب كما سلف ذكره، فهناك أسباب أخرى تجعل من البلدان تتصدر الحضارات بفكرها وأخلاقها واختراعاتها وتقدمها العلمي والثقافي وتمسكها الديني بغض النظر عن موقعها في الخريطة الكونية.

ومن أجل ذلك حافظ المؤلفون العرب نسبياً على استقلالهم الفكري وهم يقتبسون من النماذج الأخرى في وصف هذه العوالم كالنموذج الفلكي البطليموس للأقاليم "والمذهب الهرميسي الإيراني" ولم يستسلموا لحرفية تلك النماذج بل وظفوا أطرها المنهجية لمقاصدهم حيث تجلت هذه الاستقلالية المنهجية والتصورية مع أصحاب المدرسة الجغرافية العربية الكلاسيكية في القرن العاشر الميلادي وركزوا أبحاثهم على" دار الإسلام "واعتماد الخط الحقيقي للجغرافية العربية وهو الخط القائم على الرحلة والمشاهدة والتحقق من المعلومات التي يُدلي بها أهالي البلدان ومقارنتها بغيرها، كما ذكر شمس الكيلاني في مقالته، حيث تبلورت أبحاث كل من الأصطخري وابن حوقل والمقدسي على مجال "دار الإسلام " ولم يخصوا سوى القليل من أبحاثهم لأمم الجوار تعبيرًا عن ثقتهم بموقع هذه الدار في العالم ولتعاظم شعورهم بوحدة الجماعة العربية الإسلامية. ومن المنصف تطرق الكاتب لزاوية الحدود السكانية في هذه الدار والتي تشمل أبناء الأمة الإسلامية كائنا ما كانت أصولهم وأعراقهم وألسنتهم بالإضافة إلى أهل الذمة من سكان البلاد المفتوحة والتي لم تصنف على حسب أعراقها وموقعها في الخريطة، فالله سبحانه يقول " وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم" وهذا ما كنت أرمي لقوله آنفاً.

وعلى الرغم من اهتمام ابن حوقل والإصطخري بالتركيز في دراسة "دار الإسلام" عن غيرها إلا أنهما لم يهمشا تداخلات حدودها مع الأمم الكبرى المحيطة بها، محددين موقعها الجغرافي داخل تلك الأمم التي يتوسطها تمامًا كما ذكر الله سبحانه في كتابه الحكيم "وجعلناكم أمة وسطا".

وقبل أن تغص مساحة صفحتي بالكلمات أحببت الإشارة إلى نقطة مهة أشار إليها الكاتب وهي علاقة دار الإسلام بدار الحرب والتي يتوقع منها نشوب الحرب في أي وقت، فأغلب الفقهاء أجمعوا على أن العلاقة بينهما يجب أن تكون علاقة سلم وأنه لا يحق للمسلمين شن حرب ضد هذه الأمم إلا إذا بدأت بالحرب أولاً، فيا أسفاه حينما نرى دار الحرب تغزونا ونحن جثث جامدة لا نقوى على شيء سوى التطبيل والتغني بالأسلاف، ويا لشجاعتنا حينما نكون على خلاف بسيط مع إخواننا المُسلمين لنجهز لهم العدة والعتاد لإبادتهم إبادة عمياء لا ترى أمامها مبدأ دين ولا أخوة إسلام، فرحمة الله علينا أجمعين.