السبت, 15 ديسمبر 2018

خبر : المنهجيَّة العلميَّة الرصينة عند المسعودي: الروس مطيَّة

الإثنين 05 أكتوبر 2015 12:15 ص بتوقيت مسقط


مُحمَّد الشحي

يُطالعنا الباحث السوري عُمَر شعار، في مقاله البحثي المعنون بـ"الروس وأصولهم على ضوء عمل المسعودي"، على جوانب معرفية مُتصلة بالبحث الإبستمولوجي، والأنثروبولوجي، والاقتصادي، والسياسي، والتاريخي بالضرورة؛ ففي دراسته لعمل الرَّحالة العربي أبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، يلتمَّس شعار جوانب المنهجية البحثية التي تميَّز بها المسعودي عن الرحالة العربي الآخر ابن فضلان، صاحب الرحلة الشهيرة. كما أنَّه يستعرض قضية معرفية بالغة الأهمية -وإنْ لم يصرح بها- وهي قضية "غائية المعرفة"؛ متمثلة في الجدوى الماثلة خلف البحث الأنثروبولوجي عن أصول الروس، وانعكاسات هذه المعرفة على المواقف السياسية والاقتصادية.


(1)

ففيما يتعلق برؤية عمر شعار التحليلية لنصوص المسعودي -بهدف التماس منهجيته البحثية- يستعرضُ الباحث الخطوات التي اتَّبعها المسعودي في توصيفه لبلاد الروس؛ فصاحبنا لم يكتفِ بمجرد النقل عمَّن سبقوه من الرحالة والباحثين الذين وَصَفوا تلك البلاد، كما أنَّه لم يتجاوزهم ويتجاهلهم، بل أخذ يسوِّق آراءهم كاملة، ثم يناقشها؛ فيقبل منها ما وافق رؤيته الراهنة لتلك البلاد إثرَ زيارته لها، ويفنِّد الأوهامَ التي تناقلها الرحالة من قبله. وهو -أي المسعودي- يتتبع منهجية تامة الضبط والتمكن؛ فما استعرضه شعار من عمل المسعودي لا يعدو سوى قراءة في "الأدبيات السابقة"، وتحليلها ومناقشتها، مع الإضافات التي استقرأها بنفسه بسؤاله لأهل المنطقة والتجار، واستعانته بالشواهد التاريخية والأحداث المؤيدة على تفنيد بعض الآراء، وهذا عين المنهجية العلمية التكاملية.

ويُميز شعار عملَ المسعودي عن عمل ابن فضلان كون الأول "عالما موسوعيا، دقيقا في معلوماته التاريخية والجغرافية بعيدا عن الآراء الفنتازية اللامسؤولة التي تتميز بها رسالة ابن فضلان الذي لم يكن سوى رسول الخليفة العباسي المقتدر بالله إلى ملك البلغار..". ورَغْم اعترافه بأهمية المعلومات الواردة في رسالة ابن فضلان، إلا أنَّ الأخير -مقارنة بالمسعودي- "لم يكن رجلَ علم بالمعنى الواسع؛ لذلك احتوت رسالته الكثير من الأوصاف والآراء الذاتية الخاطئة، والعبارات غير اللبقة التي لا يستخدمها رجالات العلم في وصفهم للشعوب الأخرى".

ويلفت نظرَ القارئ عبارة ساقها شعار على عجل، مُتعلقة بالمنهجية العلمية، ولعلها كانت من باب الاستطراد في غير محله، لكنها تعكسُ موقفا يستشرف من فوقه حال الأبحاث العلمية؛ إذ قال بعد أن ساق اقتباسًا لتساؤلات المسعودي الاعتراضية على بعض الآراء/الأوهام: "نحن بالفعل أمام لوحة علمية ثمينة، ومثال نموذجي في أسلوب البحث العلمي نادرا أن نجد مثيله في وقتنا الراهن..". وإني لأظنه يعرض بالباحثين العرب لا غيرهم، وإلا فمن أين له الحكم بندرة المنهجية العلمية في الوقت الراهن في كل العالم، إنه لا يعني سوى الأبحاث العربية الشحيحة شحا يمكن معها إصدار حكم بندرة المنهجية العلمية الرصينة.


(2)

الأمرُ الآخر الذي يبرُز من مقالة شعار حول عمل المسعودي ما أسمِّيه "غائية المعرفة"؛ أي جدوى هذه المعرفة أو تلك، وما المحرك الذي يدفع بعجلة البحث نحو مزيد من البحث! سيكون من باب الترف الفكري أن يختلف الباحثون في أصول شعب روسيا بين مُرجع لهم إلى منطقة حوض نهر الدنيبر (أوروبا الشرقية)، وبين مثبتٍ لانتمائهم لقبائل السكيف والسارمات الإيرانية الأصل -إنْ كان هذا الاختلاف غير مدفوع بدوافع جيوبوليتيكية- فلا أظن أنَّ هناك معرفة من أجل المعرفة فقط لا غير، إنَّ هذه الفكرة الحالمة لا تجد مكانا لها بين الأفكار المؤثرة في أرض الواقع. خاصة عندما نعلم موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الأبحاث الأنثروبولوجية الجارية في منطقة في شمال غرب مدينة نوفجراد الروسية، ودعمه لها؛ فسياسي مثل بوتين لن يشغل وقته فيما لن يفيد مواقفه القومية الروسية.

لقد كان الباحثون الذين أرجعوا أصل الشعب الروسي إلى منطقة حوض نهر النيبر في أوروبا الشرقية هم من الليبراليين التغريبيين. وبالمقابل، فإنَّ الباحثين الذين يرجعون العرق الروسي إلى الأصول الإيرانية هم من القوميين والشيوعيين الذي يريدون إثبات اتصالهم بالشعوب القديمة التي نزحت شيئا فشيئا من الجنوب إلى الشمال، لا أولئك القبائل التي التجأت نحو أي جزء من القارة الأوروبية، حيثما اتفق، خلال عصر هجرات الشعوب الكبرى، وما رافقها من عمليات تطهير وإبادة للشعوب المهاجَر نحوها أو -في أفضل الأحوال- طمس للهويات في هويات قاتلة جديدة. نلاحظ باحثنا لم يتخذ موقفا واضحا بين الرأيين الكبيرين، واكتفى بالعرض وتحليل دوافع كل اتجاه من الاتجاهين بين قومي وتغريبي. ولعلَّ السبب وراء ذلك هو اهتمامه بتحليل خطاب المسعودي، وتتبع جهوده العلمية الدقيقة في توصيف بلد الروس وشعبها.

وإذا ما تساءلنا التساؤل ذاته في حقِّ عمر شعار: لماذا قد يهتم باحث عربي بهذا الموضوع؟ ما دوافع باحثٍ سوري للاهتمام بتاريخ العرق الروسي؟ وإذا ساغ لنا الجنوح أكثر في التساؤل لقلنا: هل لهذا الاتجاه دوافع جيوبوليتيكية هي الأخرى؟ أم أنه مجرد اهتمام معرفي بإنتاج عربي من التراث (القرن الخامس الهجري)؟

يُمكننا الإجابة عن السؤالين الأول والثاني من خلال المقال نفسه؛ حيث أعاد الباحث أهمية عمل المسعودي إلى اعتماد الروس أنفسهم بهذا العمل، وترجمتهم له، بواسطة اللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية، ثم من العربية مباشرة مع المستعرب ميكولسكي، لكن الأخير ترجم الجزأين الأخيرين من العمل فقط (من أصل أربعة أجزاء)؛ وبالتالي يمكننا القول إنَّ الدافع عروبي/قومي، يستعرض الجهود العالمية للتراث العربي المنعكسة أثرًا واضحًا في الثقافة الروسية. أما السؤالان الأخيران فلا المنهجية العلمية تسوغ الإجابة عنهما، ولا القرائن التي بين أيدينا كافية للحكم باطمئنان على وجود دوافع جيوبوليتيكية من عدمها، ولا أن تكون الدراسة بريئة وديعة هدفها المعرفة من أجل المعرفة، مع أننا لا نرى النتيجة الأخيرة سائغة كما قدمنا له سابقا.

لقد أنْهَى شعار دراسته بعبارة: "وفي المحصلة، أعتقد أن روسيا لا تنتمي إلى مجموعة الدول التي على مر التاريخ تميزت بكينونة خاصة بها تختلف عن حضارات الشعوب الأخرى؛ فروسيا بخصائصها التاريخية والجغرافية والأنثروبولوجية والثقافية هي روسيا لا تشبه إلا نفسها". وهي عبارة تسليمية فارغة لا تدل سوى على أن اهتمام الباحث لم يكن، حقا، وراء الأصول الروسية، بل إنما كان هو قراءة في منتج تراثي عربي، وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد. لقد أراد شعار أن يبين المنهجية العلمية الرصينة عند المسعودي، لكنه استخدم مطية الحالة الروسية، بدليل أنه لم يتخذ موقفا من بين المواقف المتعلقة بروسيا التي ساقها.