الثلاثاء, 18 سبتمبر 2018

خبر : الحوار أسُّ الوقار والدَّمار

الإثنين 05 أكتوبر 2015 12:07 ص بتوقيت مسقط

 

عبدالله العلوي

يُناط رُقي الإنسان في المجالات الحياتية المختلفة، والمجالات العلمية الواسعة، بما يسمى بـ"الحوار"، ولكنَّ الحوار الذي أراده الباحث المغربي رشيد الراضي في مقاله "من المقارعة إلى المطارحة في نصرة الحوار"، هو الحوار الذي تكتمل أساسياته المختلفة؛ سواء من قِبل المحاوِر أو المحاوَر أو الموضوع نفسه؛ فهذه الثلاثة تُعطينا المكونات الأساسية والكاملة للحوار النقي والهادف والعاقل على حدِّ قوله.

أهمُّ تعريف يُمكن أن نضعه للحوار هو ما جاء في المعجم؛ فيقول اللغويون: إنَّ الحوار (لغة) هو حديث يجري بين شخصين، ويعرفونه اصطلاحًا بأنه نشاط عقلي ولفظي بين طرفين يقدِّم كلُّ طرف الأدلة والحجج والبراهين التي تُبرر وجهات نظرهم بحرية تامة -سواء خرجا بنتيجة أو لم يخرجا- فليس من الضرورة أن يخرج الحوار بنتيجة يتفق عليها الطرفان؛ فربما لم يستطع كلُّ طرف إقناع الطرف الآخر بفكرته، وهذا أمر ليس عيبا في الحوار، ولكن ربما أدلة بعضهم ضعيفة، شريطة أن يحترم الطرفان رأي بعضيهما؛ انطلاقًا من مقولة فولتير: قد أختلف معك في الرأي، ولكني مُستعد أن أدفع حياتي ثمنًا لحريتك في الدفاع عن رأيك".

... إنَّ أهمية الحوار تكمُن في الإشباع المعرفي والعلمي في كافة مناحي الحياة الطبيعية، وقد استطاع الحوار الإنساني -على مر التاريخ البشري- أن يُغيِّر من مسار التاريخ، ويخلق بيئة حياة سواء كانت هذه الحياة حياة متزنة سوية مستقيمة مستقرة، أو كانت حياة سيئة معوجة مضطربة؛ فعموم القول بأنَّه غيَّر مسار الحياة البشرية العامة، وهناك أمثلة كثيرة في هذا الشأن؛ أهمها: الحضارة اليونانية؛ حيث كانت المقارعات الفلسفية بين فلاسفة اليونان آنذاك. ومن الحوارات التي أدت للحياة الثانية المقارعات التي بين فلاسفة ومفكري العصور الوسطى (عصور الظلام) وبين الكنيسة في حينها؛ فقد أدَّت هذه المقارعات إلى حرق المفكرين وتشريدهم وقتلهم، وهذه هو ذاته الأمر الذي حدث في عهد المأمون عندما خالفه العلماء في بعض القضايا العقدية؛ أهمها: قضية خلق القرآن.

الاختلافُ في الآراء أمرٌ حتميٌّ لا يُمكن الاستغناء عنه؛ فهو من أساسيات الحياة البشرية؛ فالاختلاف من الكائنات الأليفة القديمة، ولا يزال يعيش بيننا، وهو حالة إيجابية في المجتمع الواحد، فقط يحتاج أن نتعامل معه برزانة، وتعقُّل؛ فالله تعالى يقول في القرآن: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" (البقرة:251)، ويُذكر أنَّ هارون الرشيد شاور الإمام مالك في أن يُعلِّق "الموطأ" في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، فقال له الإمام: "لا تفعل، فإنَّ أصحاب رسول الله اختلفوا في الفروع، وتفرَّقوا في البلدان، وكلٌّ مُصيب"، كما يُذكر مقولة للإمام الشافعي تقول: "رأيي صواب ويحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

لقد شاع في العالم في العصور المتقدمة ضَعْف في إتقان الحوار العاقل والهادف، ولا نستطيع أن نلقي الحكم عامة، ولكن شاع هذا الأمر عند الكثير، وأخصُّ بذلك الاختلافات الدينية والمذهبية والفكرية؛ فقد شاع التكفير بين بني الدين أنفسهم، فأخذ يكفر كل واحد منهم الآخر، ثم يجرحه في أخلاقه وفي ولائه لدينه ولدولته؛ مما جعل أواصل الحوار المتزن تضيع بين طيات النزعات الإنسانية، وهذا أمر لا يرضاه أي دين في الأرض؛ فجميع الديانات دعت للرُويَّة، ونبذ فحش اللفظ والكلمة، وهذا يجعل الإنسان ينتقل من مرحلة الاعتداء اللفظي إلى الاعتداء الجسدي؛ لأنه عندما تتقدم النزعات الإنسانية ولا يستخدم الإنسان عقله يفقد كل ما حوله، فيفعل ما لا يرجو فعله، وانتقال الحوار إلى مسألة التجريح -سواء تجريح الأفكار أو تجريح صاحب الفكرة- هو خروج عن المسار الصحيح للحوار العاقل المتزن.

يتحمَّل الإعلامُ في العصر الحديث النصيب الأوفر من مشكلة تزايد الحوارات غير العاقلة، وهذا ما نجده جليًّا في أغلب القنوات الفضائية العالمية المختلفة، وتختلف الأهداف المرجوَّة من وراء هذا الحوارات، ولكن يُمكن أن نقول بأن الهدف الأكثر سيطرة هو رغبة مُنظِّمي القناة في شهرتها، وهذا الأمر مقصود من القناة نفسها، ويصل الأمر إلى التمثيل؛ أي خلق نقاش من لا نقاش؛ فتجد أنَّ المحاوِر يختلق قضية، ويحاور نفسه على أنَّ هناك معارضيْن له، ويطرح رأيه مدللًا بالأدلة والبراهين، ويرد عليه، ويغضب ثم يهدأ. ومما يُؤسَف له أنْ يكون عدد هؤلاء في ازياد متواصل خاصة في الوطن العربي، وشر البلية ما يُضحك، وما هذا الأمر إلا مرضٌ أصاب هؤلاء؛ فتجده يسبُّ ويشتم الطرف الوهمي الآخر، وكأنه موجود أمامه، وكما يقال: "كذب فصدَّق كذبته".

... إنَّ وضوحَ الهدفِ الحقيقيِّ من إنشاء الحوار لدى الطرفين يجعلنا نسير لطريق حوار ناجح عاقل. وعليه، تنطلق أساسياته على نهج معروف متسلل متقن؛ بحيث لا يحيد كل طرف عن الهدف الأول، يسهل عندها الوصول إلى نقاط قد يتفق عليها. أما النقاش من أجل النقاش فقط، فيجعلنا في دوَّامة "أنا الأقوى"، وهذه قنبلتي أرميها لك بكل قوَّتي.

ومعرفة لُبَّ النزاع أمرٌ يجعل الحوار يسير في طريق واضح دون التشتيت في محاور مختلفة، والانتقال من نقطة لنقطة، والخوض في كل شيء من أجل لا شيء، وقد يصل إلى التكفير والتسفيه والتخوين، بل ربما إلى الحقد والكراهية والبغض بين الأطراف المتحاورة.

ويُعدُّ الحوار العاقل هو الحوار الذي يقوم على العقل والمنطق والمدارسة والمطارحة والأخذ والرد بين الطرفين، دون أن يحوطه شيء من النزعات الإنسانية (الغضب والتعصب والعاطفة...إلخ)، بل هو حوار العقل للعقل، ينصت كل طرف، يسمع ما يريد، وتتركه يكمل فكرته دون أن يقاطعه الآخر، والطرف المنصت يجب أن لا يركز على العثرات، بل يستفيد مما يقوله الآخر حتى وإن خالفه في الفكرة.

... إنَّ الحوارَ الهادفَ والبنَّاء والعاقل من الطرق المهمة للتلاقح الفكري والثقافي، وتعدُّ الدولة الإسلامية قديمًا من الدول التي قدمت لنا أنموذجًا مهمًّا جدًّا لمثل هذه الحوارات؛ مما جعلها ضليعة في العلم والثقافة بكافة مناهجها وأفرعها المختلفة، حتى خرج ابن رشد، وابن خلدون، وابن سينا...وغيرهم من الفلاسفة؛ وذلك من خلال مناقشتهم لأفكار فلاسفة اليونان، كما نجد ذلك في ابن رشد وتأثره بأفلاطون، ومن حواراته كتابه "تهافت التهافت" الذي يرد فيه على الغزالي وكتابه "تهافت الفلاسفة"، حتى وصل بالخليفة العباسي هارون الرشيد أن أنشأ مكتبة عظيمة عُرفت بـ"بيت الحكمة"، والتي قضى المغول عليها وحرقوا كتبها ورموها في نهر الفرات، ويُذكر أنَّ الفرات تغيَّر لونه من كثرة الكتب، كذا لا ننسى الأندلس وعهد عبدالرحمن الداخل وابن هشام.

كما وجدنا هذا المطارحات موجودة في التاريخ العماني؛ نذكر منها ما سُمِّي بـ"المدرسة النزوانية" و"المدرسة الرستاقية"؛ فيُذكر أنَّ تلك الفترة رغم اضطراب الأوضاع السياسية، إلا أنَّها ازدهرتْ من الناحية العلمية، فما إن نجد عالمًا من أحد العلماء يكتب في فكرة معينة حتى نجد المدرسة الأخرى ترد بكتاب مضاد للفكرة، فأصبح للمدرستين مؤلفات كُثُر، وهذا كان له الأثر الكبير في تطور العلوم في عمان.

تعيشُ الأمة العربية والإسلامية في هذه الفترة حياة مليئة بالدماء، وكل ذلك بسبب نقص الوعي الصادق والعاقل للحوار والنقاش البناء؛ فسالت دماء بريئة، لا ناقة لها ولا جمل؛ من أجل أن يثبت كل طرف رأيه، وأنه الصحيح وغيره الباطل، فإما أن تكون معي وإلا عليَّ، ولا يستقيم أن تكون ضدي، وأصبحت لغة الدم هي اللغة المتعارف عليها بين المختلفين، على الرَّغم أن دينهم يمنع دماء المسلمين. وهنا، على الإعلام أن يلعب دوره المهم في الحل بين الأطراف المتنازعة، لكي يضم الشمل، وتبقى هذه الأمة كما كانت سابقة:

((دعوا كل الذي قلتم ... وجدوا اليوم في طلبي

فإني الوحدة الكبرى ... سأحميكم من النوب

وعندي راية خفقت ... سأرفعها على الحقب

فقولوا رايتي عاشت ... وعاشت وحدة العرب)).