الإثنين, 19 نوفمبر 2018

خبر : الجدل الهرمنوطيقي وأبعاد تأثيره في العلوم الاجتماعيَّة

الإثنين 05 أكتوبر 2015 12:02 ص بتوقيت مسقط

 

داود سليمان

تُعتبر الهرمنوطيقا من أبرز العلوم التي تحتلُّ مكانة مُتقدِّمة وَسْط العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ فقد ساهمتْ في تطوُّر مناهج ونظريات هذه العلوم، فضلا عن مساهمتها في تطوُّر دراسة إبستومولوجية اللغة وفلسفتها؛ على اعتبار أنَّ التجليات الثقافية الظاهرة هي انعكاس للأبنية اللغوية الضاربة بعُمق في الخبرة البشرية. ومن أشكال التطور الأخرى ما طرأ على إمكانية التفسير وحدوده ووظائفه والعوامل المؤثرة فيه، وهو تطوُّر يتَّصل مُباشرة بخصوصية منهج البحث في العلوم الاجتماعية، وإمكانية تأسس هذا المنهج وفق مستويات خاصة من الموضوعية. وفي هذا المقال، نعرضُ لبحث أحمد زايد "التأويل والظاهرة الاجتماعية"، الذي يُناقش فيه بعض معالم الجدل الهرمنوطيقي وأبعاد تأثيره في العلوم الاجتماعية.

ويشتق لفظ الهرمنيوطيقا من اسم الإله الإغريقي هرمس (Herms) من الفعل (hermeneuein)، ومن هذا اللفظ اشتقت الكلمة الإنجليزية (hermeneutics)، وهي وصف للجهود الفلسفية والتحليلية التي تهتم بمشكلات الفهم والتأويل، وجوهر عملية التأويل هو الكشف عمَّا يكمُن خلفَ الأشياء الظاهرة من دلالات ومعانٍ لا نُدركها من مجرد النظرة الظاهرية الخارجية. اهتمَّت الهرمينوطيقا في بداياتها بتحليل النصوص الشعرية والنصوص الدينية، ثم تحوَّلت إشكاليات التأويل منذ نشر شلاير ماخر كتابه (Hermeneutik) من نطاق البحث الديني إلى نطاق البحث الفلسفي واللغوي، واتَّسعت آفاق التأويل مع كلٍّ من: هايدجر وجادامر وهبرماس وبول ريكور، نحو عوالم أكبر من دائرة النصوص المكتوبة فقط. ومن هنا، جاء الاهتمام باللغة -أو بالكلام- كما تمارس بالحياة متقدما على الاهتمام بالنصوص المكتوبة، ووسَّع البعضُ من مفهوم النص ليشمل الأفعال ذات المعنى التي تشكل عالم الحياة؛ الأمر الذي فتح الطريق نحو تطبيق أفضل لمناهج التأويل في العلوم الاجتماعية. في بداياتها، اعتمدتْ العلوم الاجتماعية في تفسيراتها على علوم التفسير الطبيعي؛ حيث تقوم على دراسة الوقائع الاجتماعية؛ بوصفها وقائع طبيعية، وهي بذلك تتبنَّى نموذجًا قائمًا على التفسير السببي وليس على الفهم، وهذا يعني أنَّ تفسير الظواهر الاجتماعية والإنسانية بالاستناد إلى أدوات ونماذج رصد موضوعية واحدية ومادية لا تأخذ بالحسبان الأبعاد الجوانية والخاصة والكيفية للظاهرة الإنسانية، وتُهمل الدوافع والوعي والقيمة. ومن هنا، كان الجدل حول ثنائية التفسير والفهم وحول ثنائية المعرفة الموضوعية ـ المعرفة الذاتية.

وحوَّل شلايرماخر الهرمنيوطيقا إلى منهج يخضع لقانون عام قائم على فرضية أنَّ شكل التعبير يعكسُ بالضرورة الروح العامة للثقافة. وانشغلَ بعده ديلتي بأن يُحقِّق الفهمَ التأويليَّ للتوصل إلى معرفة موضوعية بحتة؛ بحيث ترقى العلوم الروحية إلى مرتبة العلم بمنهج أقرب إلى المسلك الصوفي المستغرق في الذاتية، وهو كما يبدو موقف متناقض، وفَرَض تأمُّل هذا التناقض موقفا جديدا بالاستناد إلى مفهوم عالم الحياة لهوسرل الذي يُشير إلى الاتجاه الطبيعي للخبرة بشكل عام وللخبرة العلمية بشكل خاص؛ فخبرة الوجود في عالم الحياة هي التي تشكِّل أيَّ مُستوى للفهم -سواء كان الفهم داخل عالم الحياة ذاته أو الفهم العلمي- وعلى عكس ديلتي الذي سعى إلى أن يُحقِّق التأويل معرفة موضوعية، أصبح طريقا لاكتساب معرفة ملائمة تعمِّق فهمنا لوجودنا. وهذا ما كان يؤكده هيدجر على أن التأويل عندما يتجه نحو الكشف عن معرفة موضوعية لن تكون لها قيمة ما لم تكن معرفة مفيدة وذات معنى لوجودنا، هذا ما أشار إليه جادامر أيضا من أنَّ الوظيفة الأساسية للفهم الـتأويلي هي وصف الوجود من أجل الكشف عن هذه التاريخية التي تكبِّل الوجود، ولا يختلف بول ريكور عما أكده هيدجر وجادامر في أن الهرمنيوطيقا تتجاوز تشييد المعرفة العلمية إلى السعي نحو تحقيق وجود أفضل للإنسان في هذا العالم، في حين أنَّ هابرماس كان يرى في هذه الصياغة جنوحا يُهمل العوامل المادية التي تشكل الوجود؛ فربط التأويل بالبحث عن نوعية أفضل من الوجود يفترض أن الإنسان حرٌّ يمتلك وعيه بنفسه ويحدد مصيره بنفسه، وهذا غير صحيح فالإنسان مُكبَّل لا بقيود الطبيعة فحسب بل بقيود البيئة التي يخلقها الإنسان بنفسه؛ فالحضارة الرأسمالية تفرضُ على الإنسان أغلالا وحصارا يُكبِّل قدراته الإبداعية؛ فتكون بذلك مهمة العلوم الإنسانية في سبيل مساعدة الإنسان مهمة نقدية تتجه نحو نقد الأيديولوجيا، وأثناء فعل ذلك لا ينبغي إهمال أنَّ للعالم جوانبه الموضوعية، ولفض هذا التوتر بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، طرح هبرماس ما أسماه العلم الاجتماعي الجدلي الذي يسمح لنا بفهم موضوعي للمعنى الذاتي. وفي الخلاصة، يتَّفق فلاسفة التأويل على أنَّ اللغة هي محور أساسي لعملية التأويل، وأنَّ الفهم التأويلي هو عملية أبعد من فهم ما هو ظاهر من الأشياء من حيث أنها عملية موجَّهة إلى الأبنية الداخلية غير المرئية، حتى وإن كانتْ تكشف عن نفسها في إشارات اللغة؛ فالفهم عملية ذاتية يصعُب على المرء فيها أن يتخلَّص من آفاق عقله وتراثه، وأنَّه عملية تتَّجه نحو تجويد الوجود، وأنَّ العلاقة بين الباحث وموضوع بحثه ليست علاقة انفصام وتباعد بقدر ما هي علاقة توحد وتقارب، وأنَّ أيَّ تباعد للباحث في عملية الفهم يبعده عن الحقيقة.

... نجح ماكس فيبر في تقريب شقة الخلاف بين التفسير السببي للظواهر (الذي تبناه علماء الاجتماع الاوائل) وبين الفهم التأويلي (الذي تبناه ديلتي كمنهج للعلوم الروحية ). ونجح -فضلا عن ذلك- في أن يدخل منهج الفهم إلى دائرة الأفعال الاجتماعية، وعرف تبعا لذلك علم الاجتماع على أنَّه "الفهم التأويلي للفعل الاجتماعي الذي يُوصلنا إلى التفسير السببي لمجراه ونتائجه". وبالرغم من أنَّ المنهج الوضعي الذي تبنَّاه كونت ظلَّ أساسًا صلبًا لتطور المناحي النظرية والمنهجية الأكثر سيطرة في عالم السيوسيولجيا، إلا أنَّ الطريق الذي سلكه فيبر قد خَلَق داخل علم الاجتماع تيارا نظريا ومنهجيا، توازى مع تيارات مختلفة في علوم اجتماعية أخرى نبعت من الانفتاح على عالم التأويل (ونذكر في هذا السياق الصور المختلفة لمدرسة التحليل النفسي في علم النفس، والصور المختلفة من البنيوية في الإنثروبولوجيا، والصور المختلفة للماركسية في الاقتصاد السياسي).

[email protected]