الأحد, 18 نوفمبر 2018

خبر : الحب (٢)

الأحد 16 أغسطس 2015 11:20 م بتوقيت مسقط

أمل عامر السعيدية

عُرف الفيلسوف الدنماركي كيركغارد كواحد من أهم من مثل الفلسفة الوجودية المؤمنة، ومن خلال قراءتي لكتابه (خوف ورعدة) أستطيع أن ألخص الفكرة الرئيسية لفلسفته. تسوّد الأم ثديها عند فطام طفلها، حتى يكره الطفل الثدي فيتركه. هكذا هي الحياة، انها مليئة بالآلام، غنية بالعذابات، مثل ثدي الأم عند الفطام، ومن شأن هذا أن يدفعنا إلى الزهد، فإن كانت الحياة غير ذلك لكان من الصعب علينا أن نزهد، متوسلين هذا الطريق للوصول إلى الرب وتحقيق حكمته. كيركغارد أحب ريجين أولسن وتقدم لخطبتها، وبعد أن تمت الخطوبة، أدرك أنه آثم، فأي شيء سيحمي هذه العلاقة وسيحميه من كآبته المفرطة، قسى على نفسه قبل أن يقسو على الفتاة الوحيدة التي أحبها وعلى الرغم من المبررات التي ساقها كيركغارد مراراً لتفسير تصرفه هذا إلا أنني أرى أن هذا الحب كان يهدد علاقة كيركغارد بالعالم، وإن صح القول سأقول يهدد فهمه فلابد وأن حميمية الحب وذلك التوقد الذي يوفره على الدوام يهدد سواد ثدي الأم.

إن من شأن الحب تنبيهنا إلى مناطق وجودنا الرخوة، تلك التي تجعل المسائل المحسومة سلفاً قابلة للمراجعة كأنما جاءها مسٌ من رطوبة، فتستحيل من يباسها إلى استعدادها الجديد لاستقبال البذر، للتشفي من هذا العالم، وإن كان يمكننا أن نعلن بداية جديدة مع أنفسنا وهذا العالم متى ما أحببنا إلا أن بعضنا يفضل ألا يتعرض لهذه الجدة. وفي نفس السياق أتذكر موقف كافكا الذي كتب لنا عن مأساوية الوجود، وتعب الحياة من حبيبته حين ارسل لها رسالة كان منها: "ماذا تريدين بي. انا رخو، ازحف على الارض؛ صامت طوال الوقت، انطوائي، كئيب، متذمر، أناني وسوداوي، أطوي الأزقة وحدي، وأقضي معظم وقتي في غرفتي.." ألا تحمل هذه الرسالة، شيئاً من التوسّل؟ توسلٌ معقود إلى نكوص يتغذى عليه كافكا، النكوص الذي يثبت لكافكا وجوده. فمن الصعب بما كان أن نفتح أيدينا على نحو رحب في الوقت الذي تعوّدت فيه الحياة على تحطيم مجاديفنا قبل الوصول إلى شاطئٍ آمن. لابد وأن هذا الرفض، القائم على الخوف من أن يتغير العالم بالنسبة لنا صورة تدلل على عظم هذه القيمة الإنسانية التي لطالما شغلت الإنسان في قوتها على المنح والتغيير، قوتها في الاستلاب والاذابة، حتى أنّ بعض الفلاسفة الإغريق قالوا إن الحب حصانٌ مربوط في دواخلنا مثل إله ينطلق إلى مثواه، عندما يتعرفُ على فارسه. وإن كان كيركغارد رفض الحب، فإنّ آخرين أقبلوا عليه، وما الغرض من سياقة هذه الأمثلة إلا الإشارة إليها، والى اختلافها الذي يحمل حقيقة واحدة، أن الحب متواطئ ليس كفخٍ فقط بل كنافذة، كمعبر، كطريق وأحياناً كرصيف، كهامش.

خوسيه ساراماغو الروائي البرتغالي الحائز على نوبل للأدب والذي عاد طفلاً فرحاً بعد تعرفه على بيلار زوجته، فذكرها في إهداءات كتبه، منها روايته (مسيرة الفيل) حين كتب إلى بيلار التي لم تتركني للموت وروايته (ذكريات صغيرة) إلى بيلار التي لم تكن قد ولدت بعد، وتأخرت في المجيء، ساهمت هذه الزوجة في ترجمة أعماله، حتى أنّها كانت تقرأ رسائل المعجبين وتنظم جدول ساراماغو المزدحم، ساراماغو هذا الروائي الفذ الذي كتب لنا روايات لن ينساها الإنسان أبداً، كان عندما يفقد رغبته في الحياة، فيسمع صوت بيلار، يؤمن بهذا الصوت، لأنّه الإغراء الوحيد للغناء على هذه الضفة كما يعبر. في الفيلم الوثائقي José e Pilar نتعرف على ساراماغو الذي قال إن هذا الفيلم إنما هو هدية حبه لبيلار. في الفيلم يشير ساراماغو إلى الموت في مشاهد عدة حين يوثق يومياته، لكن اللحظة التي يقول لنا فيها إن الموت إنما هو الغياب عن رفيقة دربه هي الأكثر تأثيراً. لكنه حريص على البقاء بجانبها عبر رفاته الذي أوصى بأن تدفن تحت أحجار الحديقة، حتى يكون قريباً منها بشكل ما. عندما جاء ساراماغو ليكتب شيئاً عن هذه العلاقة اكتفى بكتابة كلمة واحدة: (سعيد)، فنهاية الرحلة خالية من الأحداث المهمة وكلمة كهذه تكفي لوصف الحياة التي عاشها مع حبيبته.

وفي كل قصة حب، وبذلك الانفتاح الذي يبدو ملحاً في دفعنا لتوفير أنفسنا لعيش تجربة تبدو كما لو أنها شرطا لوجودنا الإنساني، نصلي تلك الصلاة ماذا لو أنّ ليلى لم تكن؟ قال: لكنتُ بكيتُ الليل كله لكي تكون، فالمحب وإن لاقى في حبه ما لا يرغب استمر في عزيمةٍ تظهر بسالته وقوة رغبته، وما الرغبة الا حبلٌ موصول بالبقاء حياً، حيٌ يركض، لأن المشي بطيء، يواجهنا بغرابة الأشياء. في إحدى قصص غسان كنفاني وبينما يمضي عيش الإنسان في معترك الحياة، يفتح كتابا قديماً كانت قد تركته حبيبته وهو رباعية الخيام، ليجد خطوطاً تركتها على بعض الأبيات:

آه أيّها الحب، لو نستطيع أنا وأنت أن نتفق مع القدر

كي ندمر هذا الطابع الوحيد للعالم

إلى قطع صغيرة صغيرة

ثم نعيد بناءه من جديد كما تشتهي قلوبنا.

تعب البطل من هذه التركة الثقيلة، لأنّ الحبيبة ذهبت. لا تترك أياً من تحب يذهب، فالحب ليس جواباً كاملاً على سؤال الحياة لكنه كثيرٌ من إجابتها.

[email protected]