السبت, 15 ديسمبر 2018

خبر : الإصلاح الديني في العالم العربي.. مطلب الحداثة المعطل

الإثنين 03 أغسطس 2015 03:13 ص بتوقيت مسقط

 

 

داود سليمان

لا شكَّ أنَّ الإصلاحَ الدينيَّ -كما يتفق حول ذلك جُملة واسعة من المفكرين التنويريين العرب- يُمثل حاجة ضرورية كفعل أولي نحو التمدن والتحضر والتخلص من الانسداد التاريخي الذي نَرْزَح تحت غياهبه وظلماته منذ القرن العاشر الميلادي إلى الآن في انحدار تدريجي؛ بتنا خلاله خارج التاريخ وخارج الحضارة دون أيِّ إنتاج أو إبداع معرفي أو علمي يُذكر يمكن أن تنتفع البشرية منه. ولأنَّ الإصلاحَ الدينيَّ يُمثِّل الخطوة الأولى نحو الانطلاق الذي يُخلِّص الأمة من القيود التي تكبِّل روحها المتمثلة في اليقينيات ذات الصبغة الإطلاقية والحقائق الناجزة حول رؤيتها للعالم غير القابلة للمس أو النقاش، نعرضُ هُنا لمقالٍ لرضوان زيادة تحت عنوان: "الإصلاح والمصالحة: سؤال السياسة وسؤال الحداثة"؛ يناقش فيه أولى تجارب الإصلاح الديني في الوطن العربي، ويحاول من خلاله الإجابة عن أسئلة من قبيل: لماذا فشل الإصلاح الإسلامي؟ وهل من الممكن تحقيق حداثة إسلامية؟

وأولى بوادر الإصلاح الديني في العالم العربي بدأتْ في مطلع القرن التاسع عشر، على يدِ كلٍّ من الأفغاني ومحمد عبده، اللذيْن استحضرا تجربة الإصلاح البروتستانتية؛ حيث كانا يعتبران سببَ هذا التحول الكبير في أوروبا هو الحركة الدينية التي قام بها لوثر، والتي خرجت من رحمها الحداثة الأوروبية؛ فمحمد عبده يقول مثلا في محاولته الإصلاحية: "لابد من حركة دينية، وأنه إذا أردنا أن نلحق بركب الأمم المتقدمة، فعلينا أن نقوم بإصلاح ديننا كما فعل الغربيون أنفسهم في إصلاح دينهم". كان محمد عبده -كما يذكر ذلك زيادة- يحارب في جبهتين أو لنقل في اتجاهين؛ فمن ناحية يجابه أولئك المثقفين العلمانيين الداعين إلى استبعاد الدين تماما من الحياة. ومن ناحية أخرى، يُجابه ويقارع الفهم الدغمائي التقليدي للدين. وكانت إستراتيجية محمد عبده قائمة على التمييز ولزوم الفصل بين الإسلام وبين واقع المسلمين. وهذه النظرة مكَّنته من مواجهة التحدي الأوروبي، تحدي التقدم والتفوق الغربي العسكري والاقتصادي والسياسي والمعرفي...إلخ؛ خوفا من أن يتم إلصاق تهمة التخلف بالإسلام وربطها ببنية الإسلام نفسه. لذلك جاءت تفسيراته وتأويلاته تتناسب مع السقف المعياري الجديد الذي فرضته قيم الحداثة الأوروبية، وتوسل عبده والأفغاني أدوات ووسائل تقليدية لفلسفات إسلامية ذات طابع عرفاني وصوفي في محاولاتهما لمقاربة الحداثة، حداثة خارجة من رحم المبادئ والأصول الإسلامية، وهي بهذا لا تخلو من الانتقائية التي تبغي التوافق مع قيم الحداثة من جانب. ومن جانب آخر، تبقى وفية لذاتها.

مهَّد الإصلاحُ البروتستانتيُّ لولادة الحداثة في أسسها؛ المتمثلة في: الذاتية والعقلانية والتاريخية، والذي ساهم لاحقا في التحول إلى رؤية علمانية مسيطرة في الثقافة الأوروبية؛ تجسَّدت في الأنسنة والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما لم يكتب النجاح لتجربة كل من الأفغاني ومحمد عبده في الإصلاح الإسلامي، ولم يتم البناء على هذه الحركة الإصلاحية، وكان مصيرها الفشل. ويُعلل زيادة هذا الفشل قائلاً: "إن الأرض العربية في سوريا والعراق، مرورا بمصر والجزائر والمغرب الأقصى، كانت واقعة تحت الاستعمار الغربي الذي أجَّج مشاعر القومية العربية المعادية للغرب، وتم إعادة الاعتبار لمفاهيم الهوية والاحتماء بالذات في مناخ رافض لكل ما يمت بصلة للغرب". ويمكن ملاحظة تأثير هذه الظرفية التاريخية آنذاك والتي تسودها مشاعر العداء للغرب في استبعاد لفظة الإصلاح بلفظة أخرى هي التجديد الديني التي لها أصل وجذر في الأدبيات الإسلامية في الحديث النبوي الشهير: "إنَّ الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها". ويُورد زيادة هنا أيضا رأيا آخر على لسان بسام طيبي؛ إذ لا يرى سبب الفشل في المناخات السائدة آنذاك، بل يراه في بنية الرؤية الدينية نفسها للعالم؛ حيث يدعو إلى ما يسميه بإخماد الرؤية الدينية واستبدالها برؤية ذاتية بحيث يكون مبدأ الذاتية هنا -كما تقترح الديكارتية الأساس للانتقال من رؤية دينية للعالم إلى رؤية حديثة للعالم. وهذا ما يتعارض مع الواقع الذي يولد به المسلم وينشأ عليه. فكما يقول أدونيس: إنَّ الفرد المسلم يعيش معرفيا وأخلاقيا في ثقافة تنهض جوهريا على الرؤية الدينية للإنسان والعالم، رُؤية ترى المعرفة فيها كاملة ونهائية وليس للإنسان ما يضيفه إليها في أي ميدان. لذلك ليس من اليسير أنْ تكلل عملية الإصلاح الديني بالنجاح، وأن تلقى رواجا وقبولا واسعا وسط المجتمعات المسلمة.

كما يَرَى زيادة أنَّ هناك تفسيرا أو تعليلا خاطئا من بعض الباحثين لتعثر مسار الإصلاح الإسلامي؛ حيث يرجع هؤلاء هذا الفشل إلى أسباب فكرية عقدية تعود إلى القرن الرابع الهجري حين سيطرت الأرثوذكسية (الأصولية) الإسلامية، وتم القضاء على المدرسة العقلانية المتمثلة في المعتزلة؛ ثم أجهز الغزالي على الفلسفة في المشرق بكتابه تهافت الفلاسفة. يقول زيادة إنَّ هذا التفسير "الثقافوي" صحيح أنه يمُدُّنا بآليات تحليل إستراتيجية لعلاقاتها وصراعاتها مع ذاتها ومع غيرها من التصورات والإدراكات. لكن هذا ليس كافيًا لتفسير تحولاتها السياسية وخطابها الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، في حين أنَّ متنها السياسي والاجتماعي الذي تسير فيه سيقدم تفسيرا أدق. ويدعم زيادة فكرته عندما يذكر أن خطاب الأصولية الإسلامية يتشابه تماما خلال فترة من فتراته مع خطاب الحركات القومية واليسارية العربية خلال الحرب الباردة خاصة فيما يتعلق بالغرب. أمَّا في حديثه عن إمكانية قيام حداثة إسلامية؛ فمقاربة زيادة تسعى إلى بناء منظومة قيمية إنسية تحاول أن تدرك الإنساني، ولكنها في الوقت نفسه لا تتجاهل الذاتي والخاص، وهذا يتطلب -كما يرى ذلك أيضا العديد من المثقفين العرب- مساراً تنمويًّا يتكامل في إطار حلقة حضارية متكاملة تتعايش مع العصر.

رُبمَّا إذا جاز لي القول بأنَّ زيادة قد اختزل نقاشه حول قضية اﻹصلاح الديني في حركة كل من الأفغاني ومحمد عبده، والتي اعتمدتْ أساسًا على وسائل تقليدية في محاولاتها التوفيقية، والتي رغم اختلافها عن المدرسة التقليدية فإنَّ تفسيراتها وتأويلاتها تبقى غير نقدية، كما أنَّه لم يذكر المشاريع الفكرية الأخرى اﻷكثر جرأة، والتي تتوسَّل مناهج علمية حديثة في نقد التراث كمشروع محمد أركون الذي يعد أكثرها نضجا ورصانة علمية. وفي نقاشه للأسباب التي أدت لفشل اﻹصلاح اﻹسلامي، ورغم ذكره ﻷسباب جوهرية وأساسية، إلا أنه لم يشر إلى أنَّ نجاح الإصلاح المسيحي ترافق مع انتشار الأفكار العلمية والفلسفية في ظل ثورات علمية وثورات فلسفية أنتجت قطيعة إبستيمولوجية كما فعل ديكارت وكانط من بعده، هذا فضلا عن الثورات السياسية في كلٍّ من: إنجلترا وأمريكا وفرنسا، والتي لا يوجد مثلها في عالمنا الإسلامي حتى الآن. فالشيخ الفقيه الذي يظهر في التلفاز لديه قاعدة سوسيولوجية واسعة مساويًا في تأثيره كل المثقفين العرب التنويريين.

... لم تعد مسألة الإصلاح الديني في العالم العربي والإسلامي حاجة مُلحَّة بوصفها شرطًا نحو الحداثة -وسبيلا للتخلص من الفكر السلفي المتخلف والخطاب الطائفي الذي يُذكي الفتن، والذي بات يمزق البنى الاجتماعية للوطن الواحد- فحسب، بل أصبحت مطلبا دوليا بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر وهجمات لندن وباريس وتفجيرات مدريد، تلك التي وصلها إرهاب الأصولية الإسلامية وأصبح يهدد مواطنيها.

chancellor2050@live.com