الأحد, 18 نوفمبر 2018

خبر : "الحوار" مجترًّا...!

الإثنين 03 أغسطس 2015 03:11 ص بتوقيت مسقط

 

 

مُحمَّد الشحي

يبدو أنَّ هاجسَ "الغرب" يترك أثرًا غائرًا في وَعْي الرجل الشرقي؛ لدرجة لا يمكنه معها كتابة مقال مُتزن يطرح فيه رؤيته تجاهه؛ ففي مقاله "الشرق والغرب: المحدِّدات والمؤثرات"، يحاول الباحث السعودي علي بن إبراهيم النملة سبر أغوار عدد من المواضيع المتعلقة بموضوع الحوار بين الشرق المسلم والغرب المسيحي؛ متنقلًا بين المواضيع دونما منهجية واضحة؛ فظهر مقاله هزيلًا، أشبه بملاحظات دونها بينما يشرب قهوته العربية.

ابتدأ النملة مقاله بتحليل تسمية الحوار بين الطرفين: الإسلام والغرب، مبينًا المنابع التي أخرجت هذا الحوار. فبحسب رأيه، أتى الإسلام من رحم ثقافة دينية واحدة. أما الغرب، "فهو تجميع لعدة ثقافات، بعضها ينطلق من منطلق ديني كالنصرانية واليهودية، وبعضها ينطلق من منطلق متناقض مع الدين ومحارب له في الحياة العامة، كالعلمانية والشيوعية والاشتراكية والإلحادية".

لا شكَّ أنَّ النملة يتحدَّث عن الإسلام بصيغته الأولية التي كانت في المدينة المنورة، قبل أن يمتد نفوذ الدولة الإسلامية ليشمل مناطق تختلف مع الثقافة العربية، كثقافة حضارة فارس ومصر وبلاد الشام؛ فالأولى ثقافة هندوأوروبية، والثانية فرعونية/قبطية، والثالثة تأثرت كثيرًا بالرومانية. تتضح الفروقات بين هذه المكونات جليةً فيما انعكس في المذاهب الفكرية الإسلامية؛ فمثلًا ثقافة فارس -بما تحمل من مكونات مانوية وزرادشتية- سربت إلى العقيدة الإسلامية فهومها من ثنائيات الخير والشر، ووحدة الوجود. وثقافة بلاد الشام الرومانية سربت علوم المنطق الإغريقية وترجمتها؛ مما انعكسَ لاحقًا على علوم الكلام والمنطق والكثير من التفريعات الفقهية. وثقافة مصر الفرعونية توحيدية في أصلها؛ لذلك لم تختلف اختلافًا بيِّناً في جوهر الدين (العقيدة). إلا أنَّ النملة تغاضى عن هذه الفروق الجوهرية التي تلبست لبوس الدين الإسلامي، ولم يلتفت لها على الرغم من أثرها الواضح في سيرورة الفكر الإسلامي.

وفي الجانب الآخر، نَرَاه يكيل الاتهام بمكيال واحد لمختلف التيارات الفكرية (العلمانية، الشيوعية، الاشتراكية، الإلحادية)، ويصفها بأنها متناقضة مع الدين ومحاربة له. فإذا دققنا النظر فيما قاله فسنجد إسقاطًا غير محسوب؛ فكيف للعلمانية أن تقف من الدين موقف المحارب والمتناقض؛ بينما هي -في الحقيقة- تحفظ للدين كرامته من أن يعبث به الوصوليون من الساسة ورجال الدين؛ إذ في سلب رجل الدين سلطته غير المشروعة إضفاء كمية أكبر من الموضوعية على خطابه. كما أنَّ طبيعة الخطاب الديني أحادي لا يصلح لحكم مجتمعات ذات تعددية دينية بالطريقة الشمولية. العلمانية تطبيق سياسي يجد لنفسه مبررًا في الكثير من النصوص الدينية الإسلامية والمسيحية، وليس أدل على ذلك من قول النبي محمد لأهل المدينة: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وقول السيد المسيح لليهود: "أدوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". وأما الشيوعية والاشتراكية، فمنهج اقتصادي تنتهجه بعض الدول في تسيير اقتصادها، ولا أدري من أين ساغ القول بأنها متناقضة مع الدين، وإن أتت من خلفية ماركسية. فالماركسية رفعت شعار المادية، والتفتت صوب الحياة المعاشة على حساب الماوراء، ورخصت بالدين؛ وفي ذلك قولة كارل ماركس: "الدين أفيون الشعوب". لكن، هل يسوغ هذا اتهام الشمولية الاشتراكية والشيوعية بأنها متناقضة مع الدين؟! لا أظن ذلك. يبدو أن المتخيل الواسع في ذهن النملة يرسم له أن هناك دينًا، وهناك كل شيء آخر. يبقى أن الإلحاد موقف شخصي تجاه الوجود ومبتدئه ومنتهاه، ونسبة هؤلاء الملحدين لا تكاد تشكل قاعدة تنطلق منها ثقافة ما ليكون الغرب (أو جزء منه) منطلقًا مما أسماه "الإلحادية".

تحدَّث النملة عن بعض أشكال الحوارات التي جرت للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحابته ورسله (وفد نجران، النجاشي، هرقل على التوالي)، ليؤسِّس لأصول الحوار بين المسلم وغيره. فالمحاور المسلم ينطلق من قوة الإيمان بالله (والرسالة والرسول)، وهو -أي المحاور المسلم- يسعى لإقناع ذلك الغير بالإسلام طمعًا في دخوله الإسلام. وأن المحاور المسلم إذا لم ينطلق من منطلق القوة الإيمانية، فإن الحوار لن يغدو حوارًا بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ فالحوار هو الذي يكون فيه ندية بين طرفيه. أما الذي يخلو من الندية، فهو اعتذار وتبرير أو تسويغ ودفاع.

... إنَّ هذا الحوار التبشيري الذي يدعو إليه النملة حوار مقارعة لا حوار بحث عن الحقيقة؛ فما جدوى حوار مثل هذا الذي يؤمن كل طرف فيه بقوة بمعتقده، غير مستعد للتنازل عما يعتقده إذا ما اتضح أن غيره على صواب. إنَّ الذي يدعو إليه النملة في الحقيقة هو الجدال لا الحوار؛ إذ كيف يسوغ للمحاور أن يطمع في إدخال غيره الإسلام، في حين أنَّه ينبغي عليه أن يطمع في تأكيد صحة فكرته قبل أن يفرضها على الغير. هنا ينهج الحوار منهجًا مختلفًا، منهجًا لا يرتبط بالبحث العلمي سوى بالاسم فقط. أما ما سوى ذلك، فالبحث العلمي منه براء، والباحث العلمي يفر منه فراره من المجذوم، فهو -أي الباحث- يتمتع بمرونة عقلية، واستعداد نفسي للتخلي عن أفكار تبدو له صحيحة في هذا الآن، لكنها قد تسقط لاحقًا. وإذا ما كان الباحث لا يتمتع بهذه الخاصية فهو لا يستحق تسمية "الباحث".

ويطرح النملة ثلاثة مواقف نتجت عن الإرساليات العربية (الإسلامية) للبعثات الدراسية لدى الغرب: موقفان متشددان في القبول والرفض، وموقف معتدل. ويصف الموقفين المتشددين بالخطورة على المجتمع؛ فالأول يميع فكرة التميز والخصوصية، والثاني يقوقع هذا التميز والخصوصية. أما الموقف المعتدل، فهو الموقف الذي يسمح بالحوار وتبادل الخبرات الإنسانية.

ويبدو هذا التنظير جميلًا ومقبولًا، لكننا عندما نُمعن النظر فيما يقصده بالحوار، فإننا سنجد مشكلات في المنطلق والوسيلة والمنتهى. فالمنطلق إيماني، والوسيلة جدال، والمنتهى قصد إدخال الغير في الإسلام، وبذلك يضيع البحث العلمي في خضم الجدال العقيم.

وفي الختام أقول إنَّ النملة ضاع في توصيف الحوار، وأضاع القارئ معه، في موضوعات فرعية لم يكبد نفسه عناء التركيز على موضوع واحد يهلكه بحثًا وتحليلًا. كما أنَّه وقع في اجترار سقيم لمفهوم الحوار الإنساني ليجعله حوارًا تبشيريا -وإن تزيا بزي تنظيري مقبول.