الأربعاء, 17 أكتوبر 2018

خبر : أما قبل...

الإثنين 03 أغسطس 2015 03:08 ص بتوقيت مسقط

د. هلال الحجري

تحدثنا سابقا عن قيمة العدل بكونها قيمة عالمية، والصدق أيضًا من القيم المشتركة بين الأديان والثقافات. ما مِن أمة إلا وهي تُعظم هذه القيمة الإنسانية التي هي أساس العدل؛ فلولا الصدق لما تمكَّن القضاء -مهما كان نزيها- من إرساء العدالة بين الناس، ولولاه لضاعت حقوقٌ كثيرة. لقد أفرد الإسلام مساحات كبيرة في نصوصه تبرز أهمية الصدق في الاعتقاد والعمل؛ فقد وَصَف الله نفسه في القرآن بالصدق "وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا"، ووصف أنبياءه السابقين أيضا به "وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيا"، وأمر رسوله محمدًا -عليه الصلاة والسلام- بأن يدعو به "وَقُلْ رَب أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا". أما الأحاديث النبوية حول الصدق، فلا يُمكن حصرها هنا، ولكن أجمعها قولا وأوضحها معنى قوله عليه السلام: "عليكُم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا).

وفي الكتاب المقدَّس إشارات كثيرة لقِيْمة الصدق؛ منها ما جاء في "سفر الأمثال": "كراهة الرب شفتا كذبٍ، أما العاملون بالصدق فرضاه"، ومنها ما جاء في "سفر يشوع بن سيراخ": "لا تفتر الكذب على أخيك، ولا تختلقه على صديقك"، وفي "سفر اللاويين": " ولا تحلفوا باسمي للكذب، فتدنس اسم إلهك. أنا الرب".

وفي البوذية تعظيم جليل للصدق؛ فمن الأقوال المشهورة لبوذا هذه الحكمة الجامعة: "الحقيقة السامية عن السبيل إلى وضع حد للآلام هو السبيل ذو المسالك الثمانية: صدق الإيمان، وصدق الحديث، وصدق السلوك، وصدق الكسب، وصدق الاجتهاد، وصدق التفكير، وصدق التأمل". ومن الأقوال المأثورة للفيلسوف الصيني المعروف: "لو قال كل إنسانٍ ما يفكر فيه بصدق، فإنَّ الحوار بين البشر يصبح قصيراً جدًّا".

هذه نصوص تُعلي من شأن الصدق في الديانات والمذاهب، ولكن الأمر لا يقتصر على الدين؛ فإنَّ عرب الجاهلية -مثلا- بفطرتهم، مجَّدوا الصدق، وحثوا عليه في شعرهم ونثرهم. هذا زهير بن أبي سلمى يقول:

((وفي الحلم إدهانٌ وفي العفو دربـةٌ...

وفي الصدق منجاةٌ من الشر فاصدق))

وهو معنى نجده في النثر الجاهلي أيضًا؛ حيث أكده خطيب العرب الشهير أكثم بن صيفي في خطبته: "الصدق منجاةٌ، والكذب مهواةٌ، والشر لجاجةٌ، والحزم مركبٌ صعبٌ".

... إنَّ الشعوبَ-بمختلف دياناتها وعقائدها- حرصتْ على تأكيد أهمية الصدق في القول والعمل، وحسب هذه القيمة أن تكون جسرًا يقرِّب بينها في الحوارات والمؤتمرات.