الخميس, 15 نوفمبر 2018

خبر : جدل التنظيم الديني والأخلاقي وتنوّع الرسالات في المجتمع الجاهلي

الإثنين 03 أغسطس 2015 03:05 ص بتوقيت مسقط

أسماء الشامسي

إن اكتناه البيئة الجاهلية في سبيل معرفة طبيعةالرسالة الخاتمةللنبي محمد صلى الله عليه وسلم هو مايحاول الكاتب عبدالرحمن حللي التوصل إليه عبر مقاله (المجتمع العربي قبل الإسلام: دراسة قرآنية) ثم عارجًا على تفاصيل البيئة الجاهليّة وتقسيماتها البدويّة والحضريّة وعلاقة أيّهما ببيئة النبي محمد،وشارحًا لمكانة مكة التجارية والدينية وصولاً إلى شرح عقائد البيئة الجاهلية طبيعتها وتعاليمها وتأثرها بغيرها من الدياناتومصائرها وعلاقة كل منهما بديانة الإسلام لكي يصل إلى الرسالة الخاتمة التي استفادت مما سَبقها من ديانات.

يميل حللي إلى الرأي القائل بأنّ النبي كان ينتمي للبيئة الحضرية في المجتمع الجاهلي وليست بيئة أهل البدو المتّسمة بالجلافة والغلظة إذ يعتقد أنّ الإسلام لم يهذّب بنزوله إلا النزر اليسير من أخلاق المجتمع الجاهلي، وهو ما سوف يُناقض رؤيته هذه لاحقًا مع رأيه القائل أنّ الإسلام هذّب أخلاقًا كثيرة جعلت من الضرورة تبديل الجاهليين لدينهم من أجل اعتناق الرسالة الجديدة.ويصف الجزيرة العربية قبل البعثة بوصفها مركزًا لثراء وتنوع المعتقدات والأديان الأرضية والسماويّة ويأتي اختيار هذه المنطقة لنزول النص المقدس فيها لكي تنطلق الرسالة الخاتمة منها فيما بعد إلى العالمية.

ويرجع حللي تسمية القرآن الكريم لمكة بأم القرى إلى محوريتها بالنسبة للقرى الأخرى فضلاً عن خلفيتها اِلتاريخيةبوصفها مركز تجارة العالم برًا وبحرًا وبوصفها المدينة التي وضع فيها أول بيت وهو بيتها الحَرام وتعاقب الأنبياء عليها، وباعتبارها مصدرًا للأمن بسبب قدسيتها إذ أنّ خلفيّة مكّة الدينية والتجاريةبالنسبة لحللي جعلها تمتلك مقومات النظام ما يؤهلهالقيادة ما حولها من حواضروتنظيم العلاقات واللقاءات بين مختلف الوفود القادمة إليها وبسبب غموض هذا النظام يذكر بعض الإشارات القرآنية لبعض الآليات السائدة في إدارة مكّة وقيادتها من ذلك ظاهرة النوادي التي كان يجتمع فيها الناس ويتداولون الشأن العام فضلا عن مفردات تعبر عن السلطة والشوكة والحكم من ذلك: الجند،الإثبات والإخراج من مكة،الحبس، السجن،أولو الأمر فضلا عن مدلولات السلطة القضائية.

ويُعلق حللي أهمية كبيرة في حديثه عن العقائد والأفكار التي كانت سائدة في عصر النبي قبل البعثة بصرف النظر عن أصحاب هذه العقائد أكانوا من أهل مكةأم من الوفود الأجنبية التي يقول عنها الكاتب أنّ القرآن في خطابه للعقائد كان شموليًا دون تقصّد عقيدة بعينها.

وتُشير الجاهليّة إلى بعض العادات الاجتماعية السائدة والأخلاق وقتئدٍ وعن ماله علاقة بالجانب العقدي فيما لا تصح هده التسمية على الجوانب الثقافية كون المجتمع الجاهلي مجتمعا غاية في التطور على مستوى اللغة والأنساب والفلك والاقتصاد والحساب والكتابة وغيرها من فنون وعلوم، ولكنّ هذه البيئة مثلغيرها من البيئات التي بلغت شأوًا من التقدم الحضري والعلمي لكنها لم تُوفّق في روحانيتها بل طغى الجانب المادي على مختلف جوانبها وبحسب حللي هذا الطغيان المادي على جانبها الروحي يُوقع المجتمعات في مآزق روحية ويسوده الظلم من أجل ذلك جاء إرسال الأنبياء في هذه المناطق لإعادتها لتوازنها الروحي والأخلاقي.

وفي حديثه عن العادات الجاهلية يذكر أمثلةًعلى الاستلاب الاجتماعي لحقوق المرأة كالتمييز ضدها في الإرث والطلاق والنكاح في الوقت نفسه الذي لعبت فيه المرأة دورًا قياديًا مزدوجًا كالمشاركة في التجارة والدفاع عن المجتمع وقيمه، بالإضافة إلى عادات الولاء التي تورث العصبية والثأروالانتقام. وفيما يتعلق بالفكر الديني قبل البعثة يقول حللي إن القرآن يطالعنَا بأديان كانت معروفة ولها معتنقوها في ذلك العصر هم من اليهود والنصارى والصابئة والمجوس والمُشركين.أمّا عن العقائد المُتداولة وقتئذٍ فإنه يُفصّل في علاقة معتنقي الأديان ببعضهم وتواصلهم السلمي ويذكر أثر انتفاع الفكر الديني العربي من ديانات اليهود والنصارى ولكنه يرفض موقف اليهود والمُشركين من اعتراضهم لرسالة النبي محمد باعتبارهم قاوموا دعوته بالمكر والدّس والتحايل والأذى.

ونقول إذا كان حللي وغيرهم من الباحثين ينتصرون لهذا الرأي القائل بتفوق المجتمع الجاهلي حضاريا وعلميّا فضلا عن وجود اعتقاد روحي لعقائد وثنية ونصرانية ويهودية وغيرها فلمَ كان نزول الرسالة الخاتمة بديلا عن هذه الاعتقادات؟ فلئن كانت الجاهلية تعتقد بعقيدة ما - وإن كانت تختلف مع روح وعقيدة الإسلام - فلمَ لم تُبقي الرسالة الخاتمة على هذه العقائد كما هي؟ ولمَ كان لزامًا لأهل مكة أن يعتنقوا الإسلام كرهًا بعد أن رفضوا اعتناقه طوعًا؟ بمعنى آخر هل باعتبار الإسلام الرسالة الخاتمة يجعله بديلاً عن عقائد الجاهلية التي تمسك بها أهلوها لزمنٍ طويل؟ خصوصا أنّ تلك الديانات أصبحت أقليات فيما بعد فهل كان يتوقع حللي استقبالاً حافلاً للرسالة الجديدة لمن ورثَ عقيدته عن آبائه لزمن طويل على مدى أجيال؟

الأمر الآخر الذي لم يتطرق لهُ حللي هو أنّ التقدم الحضاري على مستوى تنظيم المجتمع الجاهلي وتجارته وما ترسّخ فيه من علوم وفنون وتقدم علمي ألم يُلهِم بيئة متفوّقة كهذه من أجل أن تستقي أخلاقها من الأمم التي تخالطها عبر قوافل الحج والتجارة؟ وإذا كان غير ذلك فربما أمكن حللي أن يقول أنّ الإسلام قضى على عاداتٍ كانت جاهلية حقّا كالاسترقاق والوأد والاحتكار أمّا أن يُعزي نزول الرسالة في أرض مكّة باعتبارعقائدها فاسدة - تعريضًا - فإن الأديان بمساوئها ومحاسنها تاريخيا لم يُطبق فيها نص من النصوص بل لم يُفهم قبل أن يُطبق بالصورة الأمثل التي تكفل وجود مجتمع متزن روحيًا وماديًّا.

إذن لا نختلف مع حللي كونه يُعزي نزول الرسالة في بيئة جاهلية تمامًا وهو مالم يقله أبدًا بل زعمه أنّ المجتمع الجاهلي ليس أهلاً بما فيه من أديان وعقائد بالتنظيم الأخلاقي رغم اعترافه بتفوق المجتمع حضاريًا،فضلاً عن أنّ طبيعة الأخلاق النسبية تجعل من الصعوبة بمكان تحديد أفضلية أخلاق عقيدة عن أخرى.وهو الأمر الذي يجعل الاقتناع بتحليله فيما يتعلق بأحقيّة الرسالة الخاتمة عن الرسالات السابقة محط جدل كبير خصوصًا أنّ كُل ديانة تدّعي ختامَ رسالتها.

وفي معرض حديثه عن اختلاط البيئة الجاهلية بالديانات الأرضية والسماوية يبدو مستغربًا رفض حللي موقف أصحاب الديانات التي رفضت دعوة النبي، إذ أنّ الأقوام التي اعتنقت الدعوة طوعًا قوبلت بالمدح والثناء على خلاف الديانات التي قررت الاحتفاظ بعقائدها التي ورثتها عن آبائها كالزرادشتيين والنصارى وبالأخص اليهود، يُطالعنا هذا الخطاب بالفوقية التي تحدثنا عنها سابقًا التي مهد لها الكاتب عبر حديثه عن خلو المجتمع الجاهلي من الروح، إذ أنّ وجود روح لا يرتبط بمدى ما لدى الرسالة الخاتمة من توجيهات وشعائر وعبادات، فهذه الروح خصيصة بالإسلام وحده، كذلك روح الدين الجاهلي يمكن أن نعزوها إلى رسوخه في الشعر تأليفًا وإلقاءً عبر الأسواق أشهرها سوق عكاظ،بل لا يمكن أن يدل وجود قيم قاسية وظالمةكالوأد على خلوّ مجتمع مامن الأخلاق خصوصًا عندما لا تكون هذه الاخلاق إسلامية بالضرورة!

وإنّه من المستغرب أن تكون الجزيرة العربية مُصدّرة لرسالة عالمية في الوقت الذي تدعو فيه إلى التخلّي عن العقائد المستقلة! فماذا يكون مفهوم حللي للرسالة العالمية؟ أهِي الرسالة التي تختزل دفعة واحدة كلالديانات السابقة فيها؟ أم الرسالةالتي تحافظ على أحقية الآخرين في الاعتقاد بعقائدهم؟ أم هِي الرسالة التي تأتي بأخلاق جديدة من أجل التوحيد بربّ واحد؟ مع علمنَا أنّ ديانات شركيّة كثيرة غير موحدة سادت الجزيرة العربية، وخصوصًا أنّ ما ينتقده حللي من أخلاق العقائد السابقةكان للرسالة الخاتمة منه نصيب كبير بعدما كُتب لها الرسوخ والانتشار على يد حامليها، فهل تكون الرسالات مثلاً أعلى قبل توطدها؟ أم لا يكون ذلك إلا بظهور رسالة أخرى جديدة في كل زمان كما يزعم رأيٌ وحيد لم يلقَ حظّهُ من الانتشاروالقَبُول؟