السبت, 17 نوفمبر 2018

خبر : محاولة لفهم عنف الجماعات

الإثنين 03 أغسطس 2015 03:01 ص بتوقيت مسقط

فاطمة بنت ناصر

إنّ العنف الذي يشهده العالم ويتفجّر يوميًا كقنبلة موقوتة في شتى بقاع الأرض، أصبح موضوعاً مثيراً للتساؤل والعجب على حد سواء.فهذه الأخبار اليومية التي لا تخلو من الدماء أصبحت مشهدا معتاداً، بل لو تخيّل كل منكم أننشرة الأخبار لهذا اليوم ستكون خالية من العنف ومشاهد الدمار،لارتاب من الأمر.والعنف كما نعلم ظاهرة قديمة بقدم البشرية نفسها، بل إنأول قصص العنف التي عرفناها كانت قتل ابن آدم قابيل لأخيه هابيل، إلا أنّ ثورة الاتصالات جعلت من العنف وجبة يومية مللناها لكثرة تكرارها. ومن عجائب هذا الزمان، اتساع رقعة العنف وتمددها، ليس التمدد الجغرافي فحسب، وإنما تمددها الأيديولوجي، واستقطابها لعدد كبير من الناس. ليصبح العنف الجماعي ظاهرة بدأت تطغى أخبارها على العنف الفردي، وأصبحت تفتك بعدد كبير من الناس يومياً.

ولا زلنا نتساءل: ماهي مكونات هذه الوجبةالعنيفة، وما الذي دفع بالبعض أن يعدها يومياً دون كلل أوتعب. فلابد من وجود أسباب عميقة ومحفّزات كثيرة تجذب النّاس لممارسة العنف بهذا الشكل الفج.

فمن أين يبدأ مشوار فهم العنف؟

يحأول الأستاذ زكي الميلاد الإجابة عبر مقالته (كيف يظهر العنف في سلوك الجماعات) فيبدأ بوصف طبيعة العنف، فيقول إنّ العنف ظاهرة قديمة ومركبة وبالغة التعقيد، وأنّ نشأته قديمة ومتجذرة، وهو غير مختص بزمان محدد أو عصر معين، ولا يحتكره دين أوعقيدة دون أخرى، فجميعها عاصرت أو مارست العنف بشكل أوبآخر . كما ليس للعنف هوية محددة وثقافة مختصة، فتتنوع بيئاته بين البدوية والحضرية وبين الأقل تمدناً إلى أكثرها رقياً وتحضراً. إذن أين يكمن الاختلاف؟ يقول الكاتب إنّ التمايز يظهر في المسوغات والمبررات وفي الصور والأشكال التي يتخذها العنف. وفي ذلك تباينت تفسيرات العلوم الاجتماعية والأنسانية. فعلم النفس -على سبيل المثال - يفسر العنف بنظرة متفحصة للمشاعر الفردية، حيث يعزوه إلى دوافع نفسية: مكتسبة أو غريزية. وحيث إنّ البشر كلّهم لديهم دوافع غريزية متشابهة،فما الذي يدفع بعضهم إلى ممارسته بشكل ممنهج دون غيرهم؟ وهنا تأتي تفسيرات مختلفة، فعلم الاجتماع يرى أنّ البيئة الاجتماعيّة تسهم في نشأة العنف وهي كذلك أول المتضررين به.أمّا العلوم السياسية فتربطه بالسلطة وترى أنّها محفزلنشوئه. أمّا القانون فلا يبحث عن الأسباب، وإنّما يختصر الأمر في كون العنف سلوكا يتجاوز فيه القانون ويعتدى من خلاله على النظام العام.ولا يختلف علماء الأخلاق والتربويون في توصيف العنف على أنّه ظاهرة تتسبب في إيذاء الآخرين.ويجمعون على تعقيد العنف وصعوبة تفسيره بعلم واختصاص واحد.

يفكك الكاتب العنف المرتبط بالجماعات إلىثلاثةعناصر:

أولا:الأفكار وهي عنصر متواري ولكنه المحفز الأول،وهو العنصر الذي يخلق المبررات والأسباب لممارسة العنف.

ثانيا: البيئة الاجتماعية وهي المسرح الحسي، الذي فيه تتفاعل الأفكار الخفية مع الواقع،فتتحول إلى فعل سلوكي يكتسب صبغة من المشروعية بسبب التقائه بعناصر تشاركه الميول في البيئة الاجتماعية، فتخرج الفكرة من حيزها الداخلي إلى الواقع.

ثالثا: النشاط السلوكي فيتحدد بتفاعل العنصرين السابق ذكرهما، فتتشكل أنماط مختلفة للعنف باختلاف البيئات الاجتماعيّة والأفكار الباعثة له. ويحصر الكاتب هذه العناصر بعلاقتها بالعنف الجماعي دون العنف الفردي، ولا يذكر أي مبرر لعدم إمكانيّة تطبيق هذه العناصر عليه.

بعد هذه المقدمة النظرية الطويلة نسبياً حول العنف وأصوله ودوافعه، والتي أخذت ثلاثة أرباع المقال، يقول الكاتب إنه بصدد التصدي لتحليل عنف الجماعات الدينية الإسلامية تحديداً. ويبدأ بعرض ثلاثة عناصر تتضمن نظريات متعددة في كل منها. أولا: العنصر الاجتماعي والاقتصادي، والعنصر الديني والإيديولوجي، وأخيرا العنصر السياسي والعسكري. وقبل أن نستعرض النظريات وجب التنويه أن الكاتب لم يذكر مصادر هذه النظريات، كما أنه لم يشر إن كان هو صاحب هذه النظريات ومبتدعها.

لنبدأ بالعنصر الاجتماعي والاقتصادي:

يتعرض الكاتبإلىثلاثة عناصر وهي: السن، البيئة/المناخ، والنظام الطبقي الاجتماعي. حيث يقول في النظرية الأولى إن سن الشباب هو السن الأكثر استقطابا وميولا نحو العنف،ويستدل بأن بعض الجماعات في العالم العربي تخلت عن العنف ما إن تجاوزت مرحلة التكوين الشبابي، لتصبح أكثر نضجًا متجاوزةً مرحلة التهوّر والحماس. في العنصر الثاني يقول إنّ هناك بيئات أكثر ميلا إلى العنف بطبيعتها، كالمناطق الصحراوية القبلية الأقل تمدناً، حيث تلعب الطبيعة القاسية دوراً في تشكيل ميول أفرادها. أمّا العنصر الثالث فيطرح نظرية أثر النظام الاجتماعي الطبقي، حيث يفترض أنه كلما زادت الفوارق الطبقية والاجتماعية زاد العنف. إلا أنّه وللأسف لا يحاول مقاربة هذه النظريات مع واقع العنف الإسلامي، الذي يحاول تحليله. يتطرّق بعدها الكاتب إلىاستعراض النظريات الدينية والأيديولوجية، حيث يخلط في أولى نظرياته بين جانب التنمية وتعثر مشاريعها وبين سلوك الدول في تهميش الدين واستبعاده عن حياه الناس، الأمر الذي يساهم في نشوء عنف مضاد إلى كل ماهو حداثي، كتعرض بعض المثقفين الناقدين للفكر الديني إلى الاغتيال كسروي في إيران وفرج فودة في مصر. وبقراءتي لهذه النقطة شعرت وكأنّ الدولة هي الملامة عن نشوء العنف،فالكاتب قام بنقد سلوك الدولة بشكل عام ثم قام بتخصيص ردة الفعل، وكأنّه بررها مضموناً. ولكان أكثر أنصافاً لو أنه ذكر أمثلة على سلوكيات الدول في تهميش الدين، والابتعاد عن ذكر الجمل التعميمية. يتطرق الكاتب بعدها إلى طبيعة التكوين الديني، حيث إنّ نمط التعليم المنغلق والمنكفي على نفسه، قد يساهم في عدم قابليه الأفراد على التعايش مع المختلف وتقبل المغاير، وهذا برأيي له دور مهم في تشكيل فكر الجماعات التي تتبنى العنف. كما يذكر الكاتب أثر الأفكار الدينية وعبارات الموروث الديني: كدار الحرب ودار السلام، والجاهلية والحاكمية، ونزعتها إلى الصدام أكثر من التعايش. أمّا عن الجانب السياسي والعسكري فيقول الكاتب إنّ المجتمعات الاستبدادية ليست كالمجتمعات الديموقراطية، فالعنف فيها بإمكانه التجذر بسبب عدم سيادة القانون وتأزم الأوضاع الداخلية. بالإضافة إلىأنّ بعض الجماعات تؤمن بالعنف كحل أخير في حالة تأزم الأوضاع السياسية.وأخيرا يطرح الكاتب فكرة نشوء العنف نتيجة اشتعال الثورات والحروب، فالثورة الإيرانية على سبيل المثال حرضت الجماعات الإسلامية على العنف، والثورة الروسية حرضت الجماعات اليساريّة عليه. وهذا الطرح غريب حيث إنّ الثورات والحروب تحوي درجات وجرعات مختلفة من العنف، فهل ثمة ثورة بلاعنف أو حرب مسالمة؟!

وفي الختام، لابد من تقدير مجهود الكاتب في عرضه لعدة نظريات ملهمة ومهمة، إلا أنّ هذا الحشو للنظريات دون مقاربته مع عنف الجماعات الإسلامية، بخس موضوعه الأساسي حقه من النقاش.