الثلاثاء, 13 نوفمبر 2018

خبر : ماذا بعد الاتفاق النووي؟

السبت 25 يوليو 2015 10:29 م بتوقيت مسقط

فهمي الكتوت

يأتي الاتفاق النووي الإيراني بعد اثني عشر عاما من المفاوضات الشاقة، والاكتشاف المتأخر لأهمية إغلاق هذا الملف، ضمن رُؤية جديدة للمصالح السياسية والاقتصادية لأمريكا وحلفائها الغربيين؛ ليس مع إيران وحدها، بل مع دول المنطقة عامة.. مُدركين أنَّ إيران تملك أوراقا مهمة في الشرق الأوسط، وتتمتع بحضور لا يمكن تجاهله. لذا؛ ليس من قبيل الصدفة أن يتزامن هذا الاتفاق مع اتساع دائرة الإرهاب التي وصلت الأراضي السعودية والكويتية والتركية، وحتى قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس الإسلامية، إضافة إلى استهداف أوروبيين كما جرى على الشواطئ التونسية في مدينة سوسة التي قتل فيها 38 شخصا الشهر الماضي.

أصْبَح الإرهاب يُشكل خطرا حقيقيا ليس على سوريا والعراق والدول المستهدفة فحسب، بل على دول درّبت أو موَّلت أو شكلت حاضنة لحركات سياسية متطرفة. ومن هنا، جاءت المبادرة الروسية التي أعلن عنها بوتين في نهاية الشهر الماضي، بإقامة تحالف سوري، سعودي، تركي، أردني؛ لمواجهة الإرهاب في المنطقة باعتبار الدول الثلاث أصبحت تعاني من عدو مشترك، إضافة إلى الدولة السورية. الردود الأولية المتحفظة؛ مثل إعلان وليد المعلم أنَّ التحالف مع السعودية ومن يموِّل الإرهاب يحتاج إلى معجزة، لم يحبط مساعي الدبلوماسية الروسية، التي واصلت اتصالاتها مع الأطراف المعنية. ومع ذلك، تلقوا أجوبة مشجعة من هذه الأطراف لمواصلة الحوار وصولا لصيغة ما، تنهي الحالة الاستثنائية.

لا شكَّ أنَّ المنطقة أمام محطة جديدة من إدارة الصراع، بعد فشل الأطراف المعنية تحقيق انتصارات حاسمة بالوسائل غير السلمية؛ فالصراع الطويل بين إيران والدول الإمبريالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لم يمكن حلفاء أمريكا من مصادرة حق إيران في إقامة مشروعها النووي، على الرغم من العقوبات الاقتصادية التي أرهقت الاقتصاد الإيراني، وأفقدته جزءًا مهمًّا من قدراته، لكن صمود إيران أرغم خصومها على الاعتراف بحقوقها ودورها في المنطقة، سيما وأنَّ هذه الاتفاقية فتحت شهية الاحتكارات الرأسمالية، خاصة النفطية لعقد الصفقات للاستفادة من الأموال التي سيفرج عنها وتقدر بنحو 150 مليار دولار؛ حيث يحتل قطاع النفط الأولوية في الاستثمار، لتطوير البنية الأساسية ورفع القدرة الإنتاجية، أسوة بالدول النفطية الأخرى لرفع القدرة الإنتاجية من 1.5 مليون برميل في اليوم الى 5 ملايين.

لا أستطيعُ الفصل بين الاتفاق النووي وملامح المرحلة المقبلة، التي أخذت بالتشكل في البحث عن حلول سياسية للأزمة السورية، بعدما أصبح تنظيم "داعش" يشكل خطرا على من وفر له مناخا سياسيا، وأمن له دعما ماديا ولوجيستيا.

... ما ينطبقُ على الملف النووي، ينطبق على الأزمة السورية إلى حدٍّ ما، لم تألُ أمريكا جهدًا إلا وبذلته لدعم خصوم النظام السوري، من تجنيد حلفائها أولا؛ وتمويل وتدريب وإعداد العناصر، لحسم الصراع لصالح ما يُسمَّى بـ"المعارضة المعتدلة". كلفت الدولة السورية الكثير من الضحايا والخسائر البشرية والمادية والتدمير والتهجير، كما احتلت أجزاء واسعة من الأراضي السورية، لكنها لم تتمكن من حسم الصراع لصالحها؛ الأمر الذي دفع الدوائر الاستعمارية في التفكير بعقلية براجماتية، عبَّر عنها وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند -حين قال أمام برلمان بلاده بالحرف الواحد: "لا نرغب في سقوط نظام بشار الأسد"، مؤكدا أننا لن نحصل على النتائج المرجوة إذا انهارت مؤسسات النظام؛ فالمطلوب عدم تكرار الأخطاء التي جرت في ليبيا والعراق.

الموقف البريطاني لا يُعبِّر عن حُسن نوايا تجاه سوريا، بل لإدراكها بعدم تحقيق أكثر مما تحقق، فقد تحقق جزء مهم من المؤامرة؛ تحويل الوطن العربي إلى "كيانات طائفية ومذهبية"، وأصبح يطلق على بعض البلدان العربية بعرب السنة، مقابل الشيعة والكرد والدروز...إلخ، كما دُمرت معظم المدن التي شهدت قتالا، إضافة إلى تدمير البنية الأساسية، ومحاولات النيل من الجيش الذي يعتبر العمود الفقري للدولة. ويأتي التصريح البريطاني بعد فشل غرفة الموك في تحقيق اهدافها، باحتلال جنوب سوريا وإقامة منطقة عازلة، وفشل المحاولات التركية بإقامة منطقة عازلة في شمال سوريا أيضا. وهي خطوات كان الهدف منها تقسيم الدولة السورية.

عملاً بمقولة ثعلب الدبلوماسية الأمريكية هنري كسنجر "لا حرب بدون مصر، ولا سلام بدون سوريا".. فهي تشكل عقبة امام المشروع الإمبريالي الصهيوني، خاصة بعد إخراج مصر من الصراع، وتدمير العراق، وإلغاء التناقض الرئيسي بين عدد من الدول العربية والعدو الصهيوني، وتحويل التناقضات الثانوية إلى تناقض رئيسي، فأصبح العدو حليفا. أما الآن -وبعد فشل أمريكا وحلفائها في إسقاط النظام السوري- فلا مانع لديهم من الاعتراف به، إذا كان هذا يسمح بتقاسم الكعكة بدلا من تقسيم الدولة، بذريعة منع تمدد "داعش".

... إنَّ اصطفاف بعض الدول العربية المخجل مع الكيان الصهيوني بقضية الملف النووي الإيراني، يطرح عليهم سؤالا كبيرا؛ لماذا لم نسمع يوما احتجاجا على امتلاك العدو الصهيوني سلاحا نوويا وهو الذي احتل فلسطين ولا يزال، وشرد الشعب الفلسطيني، وتنكر لقرارات الشرعية الدولية، ودنس المقدسات الإسلامية والمسيحية؛ من المسجد الاقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، الى مهد المسيح، وكنيسة القيامة؟