الأربعاء, 19 سبتمبر 2018

خبر : سُنة الحياة

الأحد 05 يوليو 2015 09:46 م بتوقيت مسقط

مريم العدويَّة

يجرُّ قدميه على الشاطئ، مزدرياً مشهد الغروب الجميل وحماس المتروضين وابتسامات الصغار التي تصافح الأمواج المتلاطمة، ثمة خذلان قصف قدميّ الأمل وأوقعه مهشماً لا يقوى على التفاؤل من جديد.

تحدِّثه نفسه: وماذا بعد أيتها الحياة؟.. ها هي خمسة وخمسون عاماً مضت؟ قضيتها منهكاً دائماً، لم افتأ في أيامها أبحث عن مأوى لنفسي وعن قلب يحبني لكوني أنا وليس مقابل الكثير من الأشياء التي تجردني دائماً مما أنا عليه وتُلقي بي مُتعباً وحزينا.

كان رد ابنته سمية جارحاً جدًّا -لو تعلم- ثمَّة تحدٍّ لمحه في عينيها شعر حياله بالكثير من الانكسار، لطالما كانت سمية ابنةً عنيدة وشقية، ولكنه ألبتة لم يتوقع منها يوماً هذا الكم من الخذلان. نكث هذا الموقف معه غزلاً طويلاً من الأحداث التي تراكمت في فؤاده حتى أوشك على الانفجار.

فبينما كان دخان البخور يُعانق سقف مجلس الرجال والزوايا، دخلت عليه سمية وصوَّبت عينيها صوبه، وببرود نطقتْ كلماتها التي عصفت بكل ما هو ساكن وموجع في الآن نفسه في داخله، قائلةً: أبي... دع عنك قصص الماضي والتحديات بينك وبين أبو مصعب، نحن نحب بعض وسنتزوج، ودون أن تسمح للخجل أن يعيرها انتباهه خرجت مسرعة.

بقي هو واجما فاه، وكل ما سمعه: هيه أنت، أصبحت مخرفاً كما يبدو، لن أسمح لك بإفساد حياتي من أجل ترهاتك. أوجعه كثيراً السهم الذي أطلقته سمية بلامبالاة. سمية الصغيرة التي احتلت دائماً مركز العالم بالنسبة له؛ فهي البِكر التي بها فُتِحت أمامه كل مباهج الأبوة ومتاعبها اللذيذة، هي التي حرم نفسه من الكثير من أجلها هي وإخوتُها.

بوجهه المكفهر وعينيه الطافحتين بحزن عميق، يُراقب مدَّ البحر مشتهياً الصراخ بأعلى صوت: لقد خسرت. يقطع شروده صراخ طفل في الرابعة يُصر على أكل رمال الشاطئ، بينما والده يحاول منعه ويتلقى حفنات الرمل من قبضة الصغير الغاضبة على لحيته وعيناه. كان يتمنى أن يذهب لذلك الأب وينفض جسده قائلاً: سيخذلك يوماً... ربما يُحب امرأة وتطلب منه أن يرميك خارج البيت فيفعل وربما...، يحمل الأب صغيرهُ ويبتعد عن ناظريه. يحاول أن يتنفس الصعّداء علّ حرقة فؤاده تهدأ.

يستقصي الذاكرة علَّه يتذكر منذُ متى أصبح عبداً للجميع؟ يعمل ويفكر من أجل كل واحد منهم. وفي المقابل، لا يتلقى حتى كلمة شكر أو اعترف بالجميل، وفي خضم كل تلك الدوامة من الأسئلة العقيمة والتخبط بين أحداث مدفونة بأسرارها وأخرى تبدو له كخيال المآتة من الصعب تجاهلها أينما يمم وجهه يصطدم بها، وجد نفسه بالقرب من والده. بقى صامتاً مقرفِصاً قدميه دون أن ينبس ببنت شفه بينما والده يشاهد التلفاز، وعندما طال صمته واستنكر والده ملامحه الواجمة على غير العادة اقترب منه وربت على كتفيه مبتسماً.

خرجتْ كلمات مختلفة تماماً عمَّا كان ينوي قوله، بقيت عينا والده تنظران إلى اللاشيء في زاوية ما؛ حفظا لكرامة ابنه أمامه، وخشية أن يخدش شيئاً في نفسه؛ فيسح على إثرها الكثير من الدموع.

خرج الصوت عميقاً من داخله: كيف خنَّاك جميعاً يا أبي؟

ثم كالملسوع بهستيريا: أخذ يثرثر ويلوح بيديه حتى بدأ الزبد ينفر من شفتيه واحمرّت وجنتيه: قدمت لنا كل شيء، كنا نلبس الجديد وتلبس القديم، كنا ننام ملء أجفاننا وتسهر أنت تفكر بمشاريع إضافية لزيادة دخلنا، كنا نأكل الحلوى وما لذ لنا وتكتفي بالطبق الرئيسي كنا.... وكنا. ثم بوتيرة هامسة وصوت مبحوح، فك قيدها بحزن: إنهم خانوني جميعاً يا أبتِ لم أعد أُعطي؛ لذا أصبحتُ صفراً على الشمال، وكأنَّ أفعى قرصته قفز من متكئه وأخذ بعض المحارم الورقية مزقها بغضب بين كفيه رماها وصرخ: كهذه أنا يا أبي. غادر المجلس بعدها فاكتسى المكان بهدوء وغرابه تخالطها كآبة وريبة. بعد أيام من تلك الحادثة بثت زوجته شكواها إلى والده؛ فهي لم تعتد منه ضيق البال وسرعة الغضب والتدخل في أبسط شؤون البيت، قائلة: يا عمي، ابنك تحوَّل إلى رجل هجومي وحساس، كثير الانتقاد ويتدخل في أبسط شؤون حياتنا على غير عادته.

... وبعد أيام، قرَّر والده المبيت في منزلهم، وفي تلك الليلة سُمع دوي صرخة كادت أن تهتز لها جدران المنزل.

بينما كان يغط في نومه بهدوء وسكينة والأنوار مطفأة، ولا صوت يناغي شخيره المتعالي سوى أزيز جهاز التكيف، دخلت زوجته وأبناؤه الأربعة تتقدمهم سمية التي كانت تحمل معها كيس قمامة كبير، كانت خطواتهم بطيئة وكأنهم خلالها يعجنون أنفاسه حتى أوشكت روحه أن تنازع على الرحيل.

أسرعت زوجته إلى خارج الغرفة تطلب المساعدة بعد أن هزَّت صرخته أوصالها خوفاً، بينما وجهه كان مرعوبا وعيناه مفتوحتان بكل اتساعهما وهو يختبئ منها ويرتجف. استغرق الأمر أكثر من ساعة ليهدأ بين يدي والده الذي أخذ يتمتم على مسامعه ببعض آيات القرآن ويحثه على الهدوء والسكينة.. سائلاً الله أن يرجعه إلى وعيه؛ ليبصر أن ما كان فيه ليس سوى كابوس وأضغاث أحلام. تزوَّجتْ سمية مصعب، وبارك والدها زواجها متمنياً لها حياة سعيدة، كما أنه لم يُعد يشعر بأنه الضحية التي كساها الخذلان ونالت منها الحياة، وعادت الأيام أدراجها وكأن سحابة صيف مرت على سمائه وما لبثت أن غادرت مع نهاية الموسم. لقد كان لكلمات والده أثر عميق في روحه كشف له عن أشياء لم تكن في الحسبان، لكم شعر حينها بأنه لم يكن يرى الحياة سوى من خرم المفتاح، بينما نافذة الحياة أوسع وأكبر. رددها بنشوة وهو يحتسي قهوته المرة: "أبناؤكم ليسوا لكم، إنهم أبناء الحياة"، كانت تلك بعض كلمات جبران خليل جبران التي أرشده والده أن يتأملها؛ فاليوم -وهو يتوسط مائدة الغداء مع أسرته- يُدرك أنهم جميعاً -وهو معهم- ليسوا سوى ضيوف وغرباء تجمعهم رحلة طويلة؛ ورغم ما يمتلكه من حُب لا يوصف لهم إلا أنهم جميعا بلا قيود، وحبُه أيضا بلا مقابل.