العدد الجديد من مجلة شرق غرب .. ونظرية الحرب والسلام

أحمد الإسماعيلي

صدر قبل أيام العدد السادس من مجلة شرق غرب؛ المجلة الثقافية المتنوعة التي تصدر كل شهرين، بمعية الملحق الفلسفي (آفاق فلسفية)، الذي تصدره لجنة الفلسفة بجمعية الكتاب والأدباء العمانية. يأتي هذا العدد بأطروحات هامة جدًا في حقول مختلفة؛ غير أنّ إدارة المجلة ارتأت أن يُعنى ملف هذا العدد بنظرية الحرب والسلام، وذلك لما يمُر به العالم العربي بشكل خاص اليوم من صراعات دامية في معظم أجزائه؛ وما سببته "عاصفة الحزم" من غليان شديد وانقسامات كبرى في الصف العربي والإسلامي؛ ليس على المستوى السياسي فقط؛ بل على كافة المستويات الأكاديمية والاجتماعية والدينية. ندرك جيدًا أنّ اللحظة التي يتحرك فيها العقل العربي اليوم سياسيًا واجتماعياً ودينياً هي لحظة غاية في "التأريخية"، من حيث تأزم الأسس والمبادئ التي يحتكم إليها في علاقاته البينية بالرغم من المشتركات الكبرى التي يحتضنها في اللغة والدين والتاريخ المشترك ووحدة الهدف، والتي لم تعد سوى "سمات مشتركة" كما يصفها الأستاذ حاتم الطائي ولم تصل بعد إلى صيغة "المواقف المشتركة"، فيما تبقى سلطنة عُمان كعادتها التأريخية تؤسس عملياً ونظرياً أطروحات السلام والأمن الدوليين بعيداً عن مأزق الحرب والصراع.

وتأتي هذه المجلة إذن لتعالج نظرية السلام والحرب في حقولها السياسية وفي تأريخيتها وشرعيتها القانونية الدولية وفي مفهوم النظام العالمي الجديد، الذي طرح قبل سنوات من قبل كبار المفكرين الغربيين. إنّ مجلة شرق غرب؛ وكما هو واضح من عنوانها لا تعنى في أطروحاتها لهذا العدد بشكل خاص بأيّ صراع سياسي يحدث هنا وهناك بقدر ما تعنى بتحليل علائق الصراع ومسبباته بين الذات (الشرق) والآخر (الغرب)، لتقدم للقارئ أطروحات معرفية صرفة بعيدة كل البعد عن الأيديولوجيا الصحافية المؤيدة أو المعارضة لمثل هذه الصراعات الإقليمية، حيث ارتأت المجلة أن تطرح سؤال المعرفة في منطقة الحرب؛ أي عن اشتغالات العقل لإنتاج المعرفة داخل دوائر الحرب ومناطقها المضطربة. وهو إشكال جوهري جدًا في ظل انهيار التعليم والاقتصاد والتنمية وغياب مفهوم الإنسان المنتج للمعرفة والحضارة. ولهذا؛ ركزت إدارة المجلة على فرض إيقاعات المعرفة وأطروحاتهاعلى المتلقي لتساهم بشكل كبير في صناعة التنوير العربي وليس العماني فقط. سأقوم هنا باستعراض بعض هذه المواضيع التي نشرها العدد السادس من مجلة شرق غرب، وسأكتفي ببعضها مع قناعتي المطلقة بأنّ معظم موضوعات هذا العدد طرحت بشكل معرفي عميق.

في افتتاحية رائعة لهذا العدد، تحدّث رئيس التحرير الأستاذ رضا مهدي عن مستنقعات الدم التي كان الغرب غارقاً فيها في القرون الوسطى طوال أكثر من خمسة قرون، عصفت به رياح اللاهوت المنغلق والمتشدد، والصراع بين البروتستانت والكاثوليك الذي أنتج حروباً طاحنة على مدى قرون، وظلت أوروبا تصارع ذاتها بين الدين بكل ما يحمله من نظريات دوجماتية لا تفهم سوى الدم المغلف بالحقيقة المطلقة وبين الفلسفة والتنوير التي خرجت من مستنقعات ذلك الصراع الدموي، معلنة عن مرحلة حضارية كبرى في التأريخ البشري وليس الأوروبي فقط. وفي المقابل؛ تحدّث الأستاذ رضا في مقاله هذا عن الذات الإسلامية والعربية ومدى ما وصلت إليه من تقدم حضاري حيث كان الغرب غارقاً في علائق التحول، وكيف أصبح العرب اليوم يمارسون قطيعة في المعرفة والتأريخ والمبادئ والأخلاق، الأمر الذي جعلهم في ذيل الركب الحضاري البشري المُعاصر.

في موضوعات العدد أيضًا؛ تحدّث الأستاذ الكبير حاتم الطائي؛ رئيس تحرير جريدة الرؤية ومستشار المجلة عن الإخفاقات العربية التي وصل إليها الوطن العربي عبر مؤسساته، حيث أصبح فاقدًا القدرة على إدارة ملف الصراعات البينية، مما سمح ذلك للفكر الإمبريالي الغربي في ممارسة سطوته على الذات العربية. لم تعد - بحسب الطائي- لدى الذات السياسية العربية أي قدرة على امتلاك شروط القوة، ولهذا أصبحت تدخل في معارك سقوط الذات وتفككها بدلاً من معارك بناء الذات، وأدى ذلك إلى فقدها لأيّ موقف عربي مشترك.

الأستاذ الطائي يؤكد في هذه المقالة على نظرية المؤامرة، لأنّها أسهمت في تغييب العقل العربي عن أهم اشتغالاته الكبرى وهي العدو المحتل، المستفيد الأول من هذا الصراع، فلم نعد نفكر في القضية الفلسطينية بقدر ما أصبحنا نفكر في هدم منجزات الحضارة العربية التي ساهمت سابقاً في تغيير مجرى التأريخ البشري. إذن؛ لن نبالغ إذا قلنا بأن "الفوضى الخلاقة" التي بشرت بها الولايات المتحدة في السنوات الماضية هي جزء من الحالة التي وصلنا إليها الآن، إذ تحاول الإمبريالية إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط الكبير بما ينسجم والغايات الأمريكية بداية من الحرب الأمريكية على العراق وإلى صناعة " داعش وأخواتها". كما يؤكد الطائي أيضًا أن إسرائيل ليست غائبة عن المشهد السياسي العربي، إذ إنها المستفيد الأول مما يحدث اليوم من صراعات دموية بينية من أجل مزيد من البناء الاستيطاني في الأرض المقدسة، وهو ذات الدور الذي يلعبه الآخر في الصراع البيني العربي، ويظهر ذلك جلياً من خلال تلك المفاهيم التي ظهرت في سنوات الحرب الأخيرة، وهي مفاهيم تشي بما يملكه الآخر من قدرات معرفية وعملية في تسيير نظرياته تجاه الشرق كمفهوم الإسلاموفوبيا وهيمنة الأفكار والفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الكبير والإرهاب وغيرها من المفاهيم الكبرى التي أسست وكونت البدايات التأسيسية الأولى لسؤال مفاهيم الحرب والصراع. المقال عميق جدًا في بعده السياسي، ويكشف عن المخططات الصهيونية - بحسب الباحث - التي تؤجج مسألة الطائفية في الوطن العربي، وتلعب على الديني والسياسي كأطروحة قوية هيمنت فترات طويلة على العقل العربي.

في هذا الملف الخاص بهذا العدد؛ مواضيع أخرى عميقة في أطروحاتها؛ منها أخلاق الحرب والسلام للأستاذ محمد رضا، الذي يكشف عن دور الفنون التشكيلية والسينما والمسارح والرواية في مجابهة قرار الحرب، عارضًا رواية " الحرب والسلام" للروائي العالمي ليو تولستوي، والتي أرخت لأحداث اجتياح نابليون لروسيا القيصرية في بدايات القرن التاسع عشر. وهي رواية عالمية خالدة حبك فيها تولستوي مأساة الحرب التي يعيشها البشر، وعلاقات العنف والكراهية في مواجهة علاقات الحب والسلام. يستعرض محمد رضا دور هذه الأعمال في عمليات صناعة مفاهيم السلام التي حدثت لاحقاً في الفكر الغربي، والتي أسهمت في ظهور فكر النهضة ومن ثمّ التنوير والأنسنة العالمية، داعيًا في الوقت ذاته المثقفين العرب إلى عدم تجاهل الدور الذي يمكن أن تصنعه هذه الثقافة في المخيال الاجتماعي العربي، وذلك من أجل فرض قيم التعايش المشترك بين بني البشر. في موضوع آخر شيق وجميل؛ تحدث الدكتور محمد الشحي عن دور الأدب شعرًا وصورة في تأجيج الصراعات الطائفية والسياسية، أو دورها في وقف أودية الدم، عارضًا الصورة التي التقطها الصحفي " نيك آوت" عن تلك الطفلة التي خرجت عارية تهرول ملتقطة أنفاسها بصعوبة بالغة والتي كانت السبب الذي ساهم في دفع الرأي العام الأمريكي للمطالبة بوقف الحرب في فيتنام. لقد استعرض الدكتور الشحي العديد من الروايات العالمية التي رصدت الحرب وسياقاتها الاجتماعية والنفسية على شعوبها، كرواية الحرب والسلام للأديب العالمي ليو تولستوي، والتي عرضناها سابقاً في ورقة الأستاذ محمد رضا، ورواية " ترحال" لدلفين كولين، الرواية التي جسدت مآسي الحرب الأمريكية في أفغانستان، ورواية "الطيور الصفراء" و"عازف الكمان"، وغيرها من الروايات التي صورت ما عانته البشرية في تأريخها الحديث والمعاصر من ويلات الحروب، كما ساهمت تلك الروايات في فهم السياقات التأريحية لتلك الحروب الدامية. وامتداداً لنظرية السلام والحرب؛ وكانت المجلة على موعد حواري مع الإعلامي الدكتور يحيى أبو زكريا، ليتحدث عن سياقات الأزمة العربية وتداخل الثقافات، وعن دور الاستشراق في تهيئة مناخات الحرب في البلاد العربية، وذلك من خلال الدراسات الانتروبولوجية التي كتبها المستشرقون في القرنين التاسع عشر والعشرين عن العقل العربي في عاداته وتقاليده وطرائق تفكيره، خاصة المدرستين الاستشراقيتين الفرنسية والبريطانية اللتين ساهمتا بشكل كبير في صناعة الاستعمار الإمبريالي الغربي على بلدان الشرق. الحوار طويل جداً وفيه سؤالات المعرفة والإسلام والوجود، كما فيه الإعلام ودوره في صناعة الحرب، والإسلام ودوره في صناعة السلام.

بعيدًا عن الحرب والصراع ؛ فإنّ الملفات الأخرى التي تطرق إليها هذا العدد كانت عميقة كذلك، وسنقوم هنا باستعراض الملف المعنون بـ "فكر ومعرفة"، الذي جمع كتابه بين الفلسفة والعلوم الطبيعية، وشمل هذا الملف مقالات متنوعة، من بينها مقال للدكتور محمد حسين اللواتي، عن معراج المعقول، وهو الجزء الثاني الذي ابتدأ الكتابة في جزئه الأول في العدد الخامس من هذه المجلة. "معراج العقول" تحدث في جزئه الأول عن تلك التصورات الظاهرية المحسوسة التي تسمى بـ "المعقولات الأولية الفلسفية" وذلك من أجل برهنة وجود الخالق، أو الشعور بأنّ ثمة إله في هذا الكون، وهي تلك المفاهيم والتصورات التي ندرك من خلالها ماهية الأشياء وحقيقتها كالحواس الخمس، والوجدانيات، والتي أسماها الكاتب بمعراج المحسوس. ينقلنا الدكتور محمد حسين اللواتي في الجزء الثاني من هذا المقال إلى المعقولات الفلسفية الثانية، وهي تلك المفاهيم العقلانية التي نصل من خلالها إلى حقيقة الذات الإلهية، كالوجود والعدم والعلة والمعلول والواجب والممكن والمجرد والمادي، إلى غيرها من المفاهيم التي أخضعها علم المنطق كمفاهيم قادرة على الإقناع بماهية الوجود الإلهي. وهذا المبحث يعد من المباحث الفلسفية العميقة التي ألّفت فيه الكثير من المؤلفات خاصة في القرن الثالث والرابع والخامس والسادس الهجري، وهي تلك القرون التي راج فيها علم الكلام وتوسع في مباحثه المتكلمون من جميع المدارس الإسلامية.

في هذا الملف أيضًا؛ تحدث الدكتور حسن اللواتي عن إمكانية انحراف العلم عن مساره! وهو يضع بذلك القارئ في حوار مفتوح حول ماهية العلوم الطبيعية ومقارنتها بالعلوم الإنسانية المجردة، حيث تختلف مناهج البحث كما تختلف أيضاً طرائق الوصول إلى النتائج. يمكننا أن نجادل كثيراً في الأفكار المجردة التي لا تخضع للتجربة في إثباتاتها، سواء ما تعلق منها بالميتافيزيقيا أو العلوم الإنسانية المجردة؛ لكن من الصعوبة أن نجادل في العلوم الطبيعية التي تخضع لمعايير مادية دقيقة كالتجربة وقابليتها للاختبار وقابليتها للتخطئة النظرية أيضًا. ولهذا يتساءل الكاتب عن صحة انحراف العلوم الطبيعية القائمة على التجربة عن مسارها الصحيح، وهل يمكن أن يحدث ذلك فعلًا؟! في إشارة إلى ما تلعبه الأيديلوجيا الدينية في تغيير مسارات العلوم الطبيعية لتحقيق أهدافها.

أخيرًا؛ من الصعوبة أن أتحدث هنا عن كافة الموضوعات التي تطرق إليها هذا العدد من مجلة شرق غرب، وهي موضوعات عميقة جدًا كالموضوع الذي تحدثت فيه الكاتبة فايزة محمد عن المرأة بين الهوية والعادات والتقاليد، والكاتبة بدرية الإسماعيلية وغيرها من الكتاب في هذا العدد؛ لكنني أؤكد أن هذه المجلة تخطو خطوات سريعة في تحقيق غاياتها وأهدافها، وهي تحاول أن تساهم في بناء ثقافة تنويرية للقارئ العماني أولاً وللقارئ العربي ثانيا. ونأمل - ونحن على أبواب هذا الشهر الفضيل- أن تحقق هذه المجلة نجاحات كبرى في المشهد الثقافي العربي، وفي صناعة المثقف العماني، من خلال الأطروحات الثقافية والعلمية التي تقدمها، ومن خلال الكتاب والمثقفين الذين يسهمون في الكتابة فيها.