الأحد, 25 أغسطس 2019
43 °c

خبر : يا دكتور عيب !

الإثنين 08 يونيو 2015 04:32 ص بتوقيت مسقط

د. سعيدة بنت خاطر الفارسي

قوانين حمورابي أو شريعة حمورابي،هي أول قانون مسجل في التاريخ. وقد سنت هذه القوانين سنة 1790 ق.م في منطقة ما بين النهرين، وبالتحديد في بابل، وهذه القوانين تُعالج كل مشاكل الحياة، وتعاقب المخطئ وتعوض المُتضرر، وتحدد واجبات الأفراد وحقوقهم في المجتمع الذي يعيشون فيه، وقد وضع الملك البابلي حمورابي قانوناً يوضح العلاقة بين الطبيب والمريض، ويُعد قانونه هو أول قانون أخلاقي في مهنة الطب، ومن قوانينه في الطب، إذا قام الطبيب بإجراء شقٍ جراحي بسكين الجراحة وقتل (المريض)، أو فتح ورماً بسكينه الجراحي وفقأ العين فإن يده يجب أن تقطع.

تخيلوا هذا القانون قديم جدًا، وقبل ما يقارب ألفي سنة قبل الميلاد، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ معدات الطبيب والتكنولوجيا الطبية آنذاك صفر، إذا ما قورنت بالوضع الصحي الحالي، فإنّ حمورابي هذا كان من وجهة نظري رجلاً يستحق التقدير والاحترام، نظرًا لاهتمامه المُبكر بصحة الإنسان وعدم التساهل في حياة البشر، لكنّه من وجهة نظر غيري قد يكون لصعوبة أحكامه وشدتها، مبالغا وظالما ومتجاوزا لحقوق الإنسان.

أين أنت ياحمورابي فكم من يدٍ يجب أن تُقطع لأنّها سرقت حياتنا ليس بالخطأ، بل بالإهمال وعدم الاكتراث وفي أحيانٍ كثيرة بعدم الضمير.

إنّ عدم وجود الضمير وعدم وجود العقوبات الرادعة جعل كثيرًا من الجشعين الطامعين في أرباح مادية يُزورون شهادات في الطب ويمارسون مهنة الطب، خاصة في دولنا الخليجية، وهي الدول ذات الموارد المالية الكبيرة، والموارد البشرية القليلة.

ولعل مجالات التجميل من أكثر المجالات الطبية تعرضاً للتحايل هذه الأيام، وهو مجال مهم، لكن الأهم من التجميل هي العمليات المرضية التي يُعاني منها جسد الإنسان، نتيجة لمرض أو لكسور إثر الحوادث هذه العمليات بالطبع ضرورية، ولاغنى عنها، وهي التي وضعها حمورابي في قانونه وتشريعاته الطبية، فلو أنّ كل طبيب أخطأ نتيجة لإهماله، نال عقوبة رادعة لما تكاثرت الأخطاء الطبية، لدرجة الموت، فقد نقل أحد كبار الأطباء دمًا لمريض شاب دون أن يتأكد من نوعية العينة التي جلبتها الممرضة، وكانت النتيجة أنّ حقن الشاب بفصيلة دم مختلفة عن فصيلة دمه، مما أدى لتجلط الدم الفوري ووفاة الشاب، صرخ الأهل سنشكيك وسنعمل وسننتقم ووو، ثم هبطوا بحافز ديني مرددين وهل سيعود الميت لوفعلنا بالطبيب ما فعلنا، إذن نستعيض الله فيه، وحسبي الله ونعم الوكيل، وقدَّر الله وماشاء فعل، وثقافة التواكل أو الحسبنة، هي ثقافة منتشرة معنا جميعًا نحن العرب، وهي التي جعلت أمثال هؤلاء من المهملين والمتهاونين بحياة الإنسان يتزايدون ويتكاثرون، وصار الرد الحتمي لكل خطأ طبي لديهم، نصيبه كذا وقدره، والحقيقة هذا ليس نصيبا ولا قدرا، بل مصيبة نمسحها بالقضاء والقدر والنصيب.

أما في عمليات التجميل النسائية فحدث ولا حرج، والإشكالية أنّ النساء يجرين خلف الجمال - وهذا حقهن- لكن كثيراً ما يأتي هذا الجري الطائش بنتائج عكسية، ففي بداية انتشار عمليات التجميل في القاهرة بالتحديد، وهي مدينة المتناقضات الكبرى، فاستحقتْ بذلك لقب أم الدنيا، فتح ثلاثة أطباء شباب عيادة تجميلية، والغريب أنّهم خريجو الأزهر، والأزهر يرى أنّ تلك العمليات تقع في حيّز المحظور والمحرم، لأنّ معظمها تغيير لخلق الله، فكيف استطاع هؤلاء أنّ يتخصصوا في التجميل، والتجميل هنا ليس لتصحيح عيوب مرضية في جسد الإنسان نتيجة لحادث مثلاً ... بل هي عيادة تجميلية بامتياز، ولأنّ النساء هن الأكثر تدفقاً وتصديقاً لهؤلاء، تخصصتْ العيادة، كلها بالتجميل النسائي، ولهذا لم تسأل الثرية الخليجية نفسها من أين لخريجي الأزهر هذه الشهادات ذات التخصص الجديد، فما في داخلها كان أكثر من أن يستوقفها سؤال منطقي، الخلاصة أنّها أسلمت نفسها لمن ضخوا في جسدها مواد كيميائية رخيصة تذيب الشحوم ليشفطوها بلا عملية ... كنت مرافقة للصديقة، وفي نيتي إن نجحتْ العملية وخرجت الزميلة برشاقة الغزال أن أحذو حذوها فقد بدأت الكيلوجرامات تتراكم في جسدي نتيجة طبيعية للأكل المصري المسبك والمحمر والممتلئ بالنشويات والسكاكر لسنوات، كانت أصوات النساء المشفوطة شحومهن تصل إلى مسامعي واضحة تحمل أنين الآلام والصراخ، تركتُ كتاباً كان بيدي لقطع الانتظار، إذ لم تكن التكنولوجيا آنذاك قد منَّتْ علينا بالتلفونات النقالة بعد، وببلاويها من الواتساب واتباعه، وكانت تساؤلاتي تتمركز حول ما بال هؤلاء النسوة تئن وتصرخ وتتوجع والعملية كما قالوا بدون جراحة، لكونها من عمليات اليوم الواحد، لم أجد جواباً إلا صوت الزميلة الخليجية وهي تُسهم في معزوفة الأنين والتوجع، دهشتُ وأنا أحاول أن استفسر منها، قالت الممرضة اتركيها هي في البنج مازالت، في البنج وتتوجع، إذن ماذا ستفعل لو كانت في وعيها. ولما كانت زيارتنا شبه سريه بعيدًا عن معرفة الأهل، كان لازمًا أن تصحو وتتشافى قبل الليل لكن الأمر لم يكن كما قيل لنا (مجرد شكة إبرة)، بل معاناة جعلتني أهرب بعيدًا مفضلة السمنة على التشوهات، ولا يبعد ذلك الحال عما هو لدينا في الوقت الحالي بعمان، ففي إحدى عيادات التجميل اشتكت إحداهن أنّ الدكتور فلان الفلاني قد شوهها جراحياً بدلاً من تجميلها، وكان هذا الدكتور مثالا صارخا للطبيب الذي جاء لجمع الأموال، ودعايته كبيرة إذ إنه يعمل في بلاد أجنبية وفي بلاد عربية مشهورة بالتجميل، لكن هذا الطبيب المتحايل كان يمكن أن يزيل العيب، وعضو آخر سليم بقربه، نظرًا لسرعته ولكثرة عمليات القص واللزق التي يجريها للنساء، فما كان من العيادة التجميلية إلا أن تبرأت منه، وتمّ فصله لتكرار الشكاوي عليه، الغريب أنه بعد عام من توقفه عاد ليمارس مهنته التدميرية في عيادة خاصة باسمه، ياسلام علينا نحن العمانيين كم نحن متسامحين وكرماء مع أمثاله.

صحيح أن الجمال مطلوب للمرأة، لكن رجاء اتركن العمليات الجراحية المغيرة لخلق الله، فعمليات شد الوجه المبالغ فيها مثلا، تجعل جلدة الوجه أقرب (للجلدة الكاوتشوك)- كما يقول المصريون - فعلا بعض الممثلات نتيجة للشد غير المتكافئ لا يستطعن الضحك، وكذلك أصبحت نسب الوجه مضحكة غير متناسقة كما خلقها الله، فالعين قد تصبح مسحوبة للأعلى كعيون النمر والفم واسع ومسحوب عرضا، والشفايف كأنها طريق به مطبات منتفخة من جهة دون أخرى، والخدود مليئة بالحفريات ذلك خلق الله، فتبارك الله أحسن الخالقين.

إنّ الأخطاء الطبية اليوم قاتلة فكم من طفل تشوه، وكم شُلَّ، وكم من شخص مات، وتقف حقوق الإنسان مدافعة عن الطبيب، فلا يقتلون القاتل، ولا يقطعون يده، وهو الذي قتل المريض إهمالاً أو خطأ أو تعمدًا للمتاجرة بعضو مسروق دون علم المريض أو استئذانه، ومهما كانت القوانين الوضعية بالتعويض المادي فإن المادة مهما تعاضمتْ لا تعوض ازهاق روح بريئة من متهورٍ أو مدعي طب . طبعًا ليسوا سواء فلو خلت خربت، فهناك من الأطباء العرب من يُقدم روحه على يديه ليشفي مريضه ويخفف آلامه، لكن النسبة ضئيلة ومختلة إذا ماقارنا بين الجيد من أطبائنا والمسيء منهم.

وعلى حين يسرف أطباء العرب في تحويل الطب إلى تجارة ومادة لاتمت إلى القسم الذي أدوه عند التخرج، نسمع عن حالات في غاية الإتقان والإنسانية من أطباء الغرب، فالطب لديهم رسالة متواصلة البحوث والعلوم وتلقي آخر المستجدات في العلوم الطبية التي تتقدم بشكل مذهل، ليقدمها شفاء ناجعا لمرضاه، على حين يعتبر أطباؤنا شهادة التخرج والمهنة هما غاية المنى، ونهاية التعب الدراسي، ويظل على علومه البسيطة التي تلقاها بالكلية لآخر العمر ... ويقدم لنا بعد ذلك ما خفَّ علمه، وثقل همه من أخطاء وتشويهات، فهل نقول كفاية يادكتور، عيب احترمنا واحترم مهنتك ويمين القسم التي أديتها من فضلك .

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية