الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

خبر : الإشاعة .. إستراتيجية الحرب الباردة على مر التاريخ

الأربعاء 18 مارس 2015 01:09 ص بتوقيت مسقط

آمال الهرماسية

عن تعريف الإشاعة لغة واصطلاحا، يقول ابن منظور في لسان العرب، شاع الخبر في الناس يَشِيع شَيْعًا وشَيَعانًا ومَشَاعًا وشَيْعُوعَة، فهو شائع أي أنّه انتشر وافترق وذاع وظهر. ويكفينا هذا التعريف للعودة عبر التاريخ للاستدلال بمدى أهمية وخطورة هذه الإستراتيجية للإطاحة بدول وحضارات بل وإمبراطوريات قيل إنّها لا تُقهر ولا تعرف الغلبة.

ففي فتوحات جنكيز خان ساد أنّه استخدم أعدادًا هائلة من المقاتلين، اجتاح بهم العالم أو أغلب مناطقه إلا أنّ دراسات تاريخية حديثة أثبتت أنّ أعداد سكان وسط آسيا حينها لا يمكن أن تفي بغرض أطماع جنكيز خان العسكرية كما وعددًا، ومن هنا فإن إمبراطورية المغول العظيمة قامت بدهاء على قوات عسكرية متقنة التدريب لا محالة، وعلى عملاء وجواسيس وعلى دعاية متقنة بأنّ جيشهم خرافي العدد ذو طباع شرسة أرهبت العدو وأضعفت مواجهته، لم تختلف سياسة نابوليون بونابرت عند دخوله مصر كثيرا عما سلف، إذ كانت رسالته إلى أهالي مصر مليئة استصغارا وتهميشًا وبثًا للذعر والتوعد، أذكر منها،

"بسم الله الرحمن الرحيم لا إله الا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه، من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية، السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابارته يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمان مديد الصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية ويظلمون تجارها بأنواع الإيذاء والتعدي، فحضر الآن ساعة عقوبتهم وأخرنا من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من بلاد الابازة والجراكسة يفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها، فما رب العالمين القادر علي كل شيء فإنه حكم على انقضاء دولتهم " قوة في الخطاب وثقة في النصر زعزعت حينها ثقة الأهالي وبثت فيهم الخوف والرعب، وللقارئ أن يبحث في بقية تلك الرسالة التاريخية التي وصف فيها بونابرت الفرنسيين على أنهم مسلمون محبون لله ولرسوله ترغيبًا وهدد فيها من لا يبدي ولاءه لهم بالويل ثم الويل، فدخلت القوى الفرنسية وتغلغلت في مصر وقد استقبلهم أهلها بالأهازيج والفرح، خوفًا وطمعًا.

أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد كان لها صلات غير مباشرة ببعض الصحف في كل أنحاء العالم. ولذلك كان أول ما قام به الرئيس روزفلت أن عيّن منسقاً للمعلومات Co-ordinator of Information. وركز في إدارته على الأخصائيين لجمع المعلومات السياسية والجغرافية والاقتصادية ونسق بين الإذاعة من جهة والسياسة الخارجية من جهة أخرى. وفي 13 من يونيو 1942، أنشأ الرئيس روزفلت إدارة معلومات الحرب لتتولى السيطرة المباشرة وغير المباشرة على كل الدعاية المحلية والدعاية الخارجية في نصف الكرة الغربي الذي بقى تحت إدارة لجنة روكفلر في وزارة الخارجية، فضمت قسم الإذاعة وتغير اسمها إلى إدارة الخدمات الإستراتيجية وكانت أهم أهدافها استمرار جمع المعلومات والقيام بالدعاية السوداء والقيام بأعمال المؤامرات والتقويض بالتعاون مع السلطات العسكرية.

وإن أردنا ذكر أمثلة عبر التاريخ فلن تسعنا مجلدات موثقة ومؤكدة لما للإشاعة من أثر في انتصارات وانقسامات شهدتها الدول، وعادة ما تستهدف الإشاعات عواطف الجمهور وذلك من خلال بث شحنة انفعالية تؤثر على الجانب العقائدي والديني والوطني وهنالك نوع يستهدف مسؤولي الحكومة، والرموز الوطنية والدينية للنيل من سمعتهم وتشويهها، مما يؤدي حتما إلى عرقلة التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ولا ننسى تلك الإشاعات الحديثة التي أطلقتها إسرائيل في حربها الباردة والتي مكنتها من إضعاف عدوها وتشويه صورة رجال المقاومة في خبرها الإذاعي الذي بث بلسان عربي سنة ٢٠٠٤ حيث قالت بضبط عدة اعتداءات منها تفجير عبوة تحتوي دماء ملوثة بفيروس الإيدز وذلك قبيل مغادرة شارون إلى الولايات المتحدة، وقس على ذلك من الأمثلة التي وثقها التاريخ وأثبت عدم صحتها، ولكن بعد فوات الأوان وتغلغل الإشاعة بين صفوف الوحدة الوطنية بهدف إضعافها وتشتيتها.

يعود بنا الأمر إلى ما يحدث اليوم على الساحة السياسية والاجتماعية من استفحال لظاهرة الإشاعة، وعدم تمييز من المستمع لصحة الخبر أو عدمه، ومن عميق الأثر الذي تتركه هذه الأقاويل في نفوس الضعاف والمشككين، والجاهلين بما تخفيه تلك الأخبار من أطماع دفينة وأهداف بعيدة المدى، وأقرب هذه الإشاعات ما يحيط بظاهرة الدواعش من وصف يعانق الخيال وفعل يشبه الأساطير وقوة تفوق التخيل وشدة وبأس لا يستوعبها العقل، وقد تغلغلت هذه الإشاعة عبر قنوات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وهي الأكثر ترسخًا وتوصلاً للفكر العربي الذي ظل على سجيته يصدق ما يرى ويقتنع بما يسمع، مفتقرًا لقوة التحليل السياسي وموضوعية الفكر وبلادة النظرة الاستشرافية، وركزت هذه الظاهرة على الجانب العاطفي لما عرف على المسلمين من رقة في المشاعر ورحمة وخشية تغلف قلوبهم، وتميزوا بحبك الخبر ربما كان مفرطًا في دقته، كحرق الطيار ومن ثمة نشر مشاهد الألم والدموع والوجيعة، مركزين على الأم التي تنتحب ابنا احترق واقفًا أمام تصوير دقيق هادئ، كل ذلك تحت راية الإسلام، فيالها من إشاعة قد ألمت بجميع أهدافها في مشهد مختصر ولكن بكل المقاييس لا يمكن أن يكون واقعيًا، ولكن وإن أثبتت بعض المحاولات المحتشمة عدم صحة ذلك المشهد، إلا أنه أدى غرضًا في بث الرعب والهيبة في قلوب الجموع وبالذات في قلوب من تستهدفهم ظاهرة داعش للاستيطان مستقبلاً

والحقيقة أننا لو سألنا من هم الدواعش، لما وجدنا جواباً شافياً لا في انتماء قبائلي ولا عشائري ولا صلة ببقعة من الأرض ولا توجه فكري ولا حتى ديني أو سياسي، كما أننا لو أردنا معرفة عددهم لجاءنا رد غريب أنّهم منتشرون في كل البلاد وأعدادهم تزيد يومًا بعد يوم، وإن سألنا فأين مقامهم، لقيل لنا إنهم في كل مكان ولا يأويهم سقف ولا يحتويهم بنيان، لا يشعرون ببرد ولا حر وأنهم يأكلون ويستمدون مؤنهم من مصادر لا متناهية الثراء، فلا يظهرون للعيان ولا يختلطون ببني البشر، ولا أخفي القارئ أنني وأنا أصفهم يخيل إليّ أنني أصف قوم يأجوج ومأجوج،

هذه إشاعة نجحت إلى حدٍ، لكن لو رجح المستمعون بعض العقل، لكشفوا مهزلة تاريخية ستظل عارًا على من أطلقها، وأكبر خطأ ارتكبه هو أن إشاعة داعش ارتبطت بالإسلام، مترجمة اللا إسلام، فالعاقل ولن أقول المسلم، ولا حتى معتنق أيّ دين من الأديان يعلم يقيناً أن الدين الإسلامي أكثر الأديان سلماً لذلك كانت تحيته سلاما، ومبدؤه سلما وتسميته إسلاما، ويعلم يقيناً ألا أحد ينكر هذه الحقيقة، ومع ذلك يصدق إشاعة تستهدف زعزعة دينه وأمنه، ولنعد بعض الشيء إلى أحداث سبتمبر وتلك الطائرة الغريبة التي ضربت تلك المباني الشاهقة باسم الإرهاب والإسلام، وبعد احتراق الطائرة ومن عليها يبقى بأعجوبة دليل الإرهاب الإسلامي في وثيقة جواز الطيارين، وبعض أشلاء كتاب القرآن، مهلاً أيها المستمع إن كان محدثك أصابه جنون العظمة فاجعل العقل هو المنصت منك، وهاهي اليوم أشرطة وتحاليل تثبت حبك تلك المسرحية البطولية التي ألصقت بالإسلام تهمة الإرهاب، لعبة استساغها العدو، وظل يكررها في مشاهد هنا وهناك، جاعلاً من هدفه وهو إضعاف صفوف المسلمين العلامة المصاحبة لكل إشاعاته، حتى يكاد يتهم المسلمون شرقا بسقوط أي شجرة غربا،

أسطورة داعش المزخرفة خيالا ستنكشف بعد برهة من الزمن، وبيدنا أن نسرع بكشفها، أو نساعد في تأصلها، كلما يحتاجه المستمع، بعض العقل ورجاحته والكثير من الثقة في دينه ومبادئ هذا الدين الذي أعزه الله عمّا يلصق به العدو من شتى الاتهامات والأدران، كل ما قيل وسيقال نبهنا إليه إسلامنا ونبينا، ونهانا عن التسليم بأخبار الوشاة، والتبين والتحذر من تصديقها، حتى لا نقع في الفتنة وتتخلخل صفوفنا ويتزعزع أمننا، تلك أمم دمرتها الإشاعة ونالت منها الحرب الباردة، قبل قوة السلاح، فلتكن لنا فيها عبرة، ولنحذر ولنجعل العقل سدًا منيعًا ضد أهداف تخريب واستيطان وتدمير فكري يجتاح منطقة أمن وسلام، ورخاء اجتماعي واقتصادي أسال لعاب عدو لاهث وراء ما ليس يملكه، ولن يملكه إلا بضعف أنفسنا وتصديقه وإتاحة المجال له.

[email protected]