الأحد, 18 نوفمبر 2018

خبر : مارسيل خليفة.. أغنية التمرد الهادئة

الخميس 05 مارس 2015 03:37 ص بتوقيت مسقط

عبدالله خميس

في عام 1976 أسس الفنان اللبناني الكبير مارسيل خليفة فرقة الميادين. هذا العام أيضًا هو عام صدور ألبوم مارسيل خليفة الأول: "وعود من العاصفة".

كلمات الأغنية الرئيسية التي حمل الألبوم عنوانها - وهي لمحمود درويش- تقول:

"وليكن..

لا بدّ لي أن أرفض الموت

وأن أحرق دمع الأغنيات الراعفة

وأعرّي شجر الزيتون من كل الغصون الزائفة.

فإذا كنت أغني للفرح

خلف أجفان العيون الخائفة

فلأنّ العاصفة

وعدتني بنبيذ.. وبأنخاب جديدة

وبأقواس قزح

ولأن العاصفة

كنّست صوت العصافير البليدة

والغصون المستعارة

عن جذوع الشجرات الواقفة.

* * *

وليكن..

لا بدّ لي أن أتباهى، بك، يا جرح المدينة

أنت يا لوحة برق في ليالينا الحزينة.

يعبس الشارع في وجهي

فتحميني من الظل و نظرات الضغينة

سأغني للفرح

خلف أجفان العيون الخائفة

منذ هبت، في بلادي، العاصفة

وعدتني بنبيذ، وبأنخاب جديدة

وبأقواس قزح".

شخصيا، لا أعرف هل سبق أحدٌ مارسيل خليفة في غناء قصائد محمود درويش، لكني أثق أنّه طوال هذه السنوات الثمانية والثلاثين منذ ألبوم "وعود من العاصفة" فإنه لم يقدم أحد شعر درويش بالغزارة والأداء النوعي كما فعلها مارسيل خليفة.

غنّّّى مارسيل خليفة لمحمود درويش قبل أن يلتقيه على أرض الواقع. كانت البداية مع ألبومه الأول "وعود من العاصفة" الذي تضمن 4 قصائد لمحمود درويش من بين خمس أغان هي ما احتواه الألبوم. غنى مارسيل لدرويش لأن ديوان درويش كان هو المتاح بين يدي مارسيل عندما اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، حيث كان مارسيل لا يغادر منزله لظروف أمنية. وهنا وجد في كلمات درويش المعبر عما يعتمل في روجه.

وبقدر ما كانت قصيدة درويش غنائية الطابع، من حيث احتفالها بالموسيقى الداخلية للشعر، وانسيابيتها، وتنويعاتها النغمية، حملت ألحان مارسيل خليفة نفس الصفات. لم يتعامل مارسيل مع قصيدة محمود درويش كنشيد ثوري خطابي، لكنه رآها -على الأرجح- كموسيقى تُعلي من شأن الروح وتأخذها إلى ينابيع الأمل. لذا، كانت ألحان مارسيل غير خطابية رغم أن المضمون العام لبعض القصائد كان استنهاضيا. التحفيز الذي أراده مارسيل هو تحفيز الروح على التمسك بالأمل، واكتشاف مكامن السلام الداخلي في عالم يموج بالحروب والبارود. لذا، كانت المقدمات الموسيقية لأغانيه طويلة نسبيا، لأن الهدف لم يكن غناء الكلمات وحدها وتحويلها إلى نشيد للثورة بالمعنى الحزبي والحماسي الضيق للمفردة. المقدمات الموسيقية الطويلة خلقت مساحة للتأمل لدى المتلقي. مساحة لترتاح فيها الروح من ثرثرة زعماء الحروب. الغناء نفسه لم يكن حماسيا مندفعا، لكنه كان هادئ الإيقاع، تأملي الطابع كمشهد يكثر فيه الصمتُ في أحد أفلام إنجمار بيرجمان الكبرى. هذا التداعي الموسيقي في أغاني خليفة هو أحد أبرز وجوه اختلافه عن بقية الفنانين الملتزمين العرب. لقد تنامى عشق تأليف الموسيقى التأملية لدى مارسيل خليفة في الأغاني ذات المضامين الوطنية والسياسية إلى أن أصبحت المقاطع الموسيقية أطول فأطول. لم يؤلف مارسيل موسيقى مركّبة ومصنوعة عمدا لتناسب كلماتٍ ما، لكنه خلق من روح الكلمات موسيقى. في هذا الشأن يقول مارسيل خليفة في إحدى مقابلاته ما معناه أنه لا معنى لموسيقى لا تصمد لوحدها عند انتزاع الكلمات منها. هكذا، ومنذ فترة باكرة ألف مارسيل موسيقى قصيدة "أحمد العربي"، وهي قصيدة فيها أزيز الرصاص، ومع ذلك، فموسيقاها كانت أقرب للسيمفونية الخالصة. أسماها مارسيل (غنائية أحمد العربي)، وأنا أثق أن البحث عن اسم لها كان مضنيا. لم تكن أغنية عادية، كما لم تكن سيمفونية خالصة بالمعنى الغربي للتأليف السيمفوني. إنّها نشيد موسيقيّ طويل يتخلله غناء لابد منه. غناء أصيل في العمل لا يمكن استبعاده. هذا النزوع لمجافاة التقليدي، بل ولتجنب تشابه مارسيل خليفة مع مارسيل خليفه، هو ما قاد فناننا الثائر و ذا الحس الموسيقي الأصيل ليعتني أكثر فأكثر بسؤال الجوهر الموسيقي. ليس لديّ تعريف محدد لمصطلح الجوهر الموسيقي، ولكني أقصد به سؤال (ما هي الموسيقى؟ ما هي إمكاناتها التعبيرية؟ كيف يمكن للعود - هذه الآلة المشرقية الحميمة والعريقة- أن تحمل أسئلة الفنان وتعبر عن كل هواجسه). أخال أن أسئلة من هذا النوع وأعمق منها بكثير كانت تشغل مارسيل خليفة، وهي ما قادته لاحقا لتأليف أعمال تعتبر سيمفونيات حقيقية، بل ويمكن وصفها بالتجريبية. فـ (جدل) مثلا كان اشتغالا على إمكانات العود تضمن حوارا أو جدلا بين عودين. و(كونشيرتو الأندلس) كانت عودة للجذور.

في تأليفاته الموسيقية الخالصة لم ينس مارسيل خليفة محمود درويش، بل تذكره بطريقة خاصة جدا لن يفعلها سوى مارسيل خليفة. فمن وحي قصائد درويش ألف مارسيل عملا موسيقيا خالصا أسماه (تقاسيم). هي سيمفونية موسيقية، ورغم أنه لا يوجد بها كلمات مغناة، إلا أنّ روحها تفيض بخلاصة محمود درويش، وهو أمر لا يزعمه مارسيل خليفه لنفسه، ولكن متذوقي أشعار مارسيل والعارفين بموسيقى مارسيل يستطيعون الإحساس به ويصل إلى أعماقهم. لرحمة القدر فإن هذا العمل قد ظهر قبل رحيل درويش بنحو عام واحد.

يقول محمود درويش عن مارسيل خليفة: "لعل أغنية مارسيل خليفة هي إحدى الإشارات القليلة إلى قدرة الروح فينا الآن على النهوض. فعندما كنا نستثني التعبير الثقافي من شمولية ما تعرض له الموقف العربي من انهيار عام كنا ندافع عن أمل شخصي في حماية منطقة من الروح يصعب اجتياحها بالدبابة أو بالعزلة. وسط هذا الخراب كانت أغنية مارسيل خليفة تنتشل القلب والأجنحة من الركام، كانت قوتها الهشة هي قوة الحياة في حصار السؤال والجواب. فيها وجدنا قوة المأخوذين إلى الموت على الغناء وعلى إبداع مستوى للواقع نمتلك فيه حرية افتقدناها فيما سبق من كلام وإيقاع.

في أغنية مارسيل خليفة خبز للكلام وشيء واضح من جدوى وجمال يندفع. كنت على سبيل المثال أعلن لأمي الحب من زنزانة ولكن لم تدرك هي ولا أنا فعالية هذا الإعتراف إلى أن فضحته أغنية مارسيل خليفة".

عاصفة مارسيل خليفة التي أطلت بوعودها منذ عام 1976، لم تكن مزعجة أو تدعو لإغلاق النوافذ، إلا ربما لدى حراس الموسيقى الرديئة والمروجين لها. لقد كانت عاصفة من الحب واحترام الفن. كانت وعودها هي الأمل. ولقد صدقت هذه الوعود، فما إن انطلق الربيع العربي في تونس حتى كان صوت مارسيل خليفة هو صوت الأرواح المكتظة بالأمل. وبغض النظر عما تسير إليه أمور الإنسان العربي على أرض الواقع، فما زالت عاصفة مارسيل تعدنا بالنبيذ والأنخاب الجديدة، وبأقواس قزح. وهو الوعد الذي سيجعلنا دوما نحنّ إلى مارسيل خليفة ونعود إليه في اللحظات التي نكاد نفقد فيها الأمل.

الذين يحبون مارسيل خليفة يحبونه - على الغالب- لأنّهم يجدون فيه ذلك الجزء المتواري الأكثر جمالا في ذواتهم: الطفل الذي لا يعرف الكذب. الطفل الذي يحب الاكتشاف والتجريب. الطفل ذو الكركرة العذبة. الطفل المتجدد الذي لا يمل المرء من اللعب معه- لأنّه باللعب معه نستمتع، ونعيش طفولتنا، ونؤمن أنّ في المستقبل ما يستحق التضحية لأجله.