إزالة الصورة من الطباعة

مختصون: الفراغ التربوي خطر على الأبناء والآباء والمجتمع

الرؤية - أسمهان الهنائية

حينما كانت التربية تتم بشراكة المجتمع بدءا من الأسرة ومرورا بالأقارب والمدرسة والمسجد، كان هناك نظام تربوي متناسق، لتتغير بعدها الأحوال نتيجة للتطورات التي شهدها المجتمع بايجابياتها وسلبياتها، وكان من نتائج تلك التطورات انشغال الأب والأم بالكثير من الأعباء مما كان له الأثر في تراجع الاهتمام بالأبناء الذين أصبحوا يعانون من الفراغ التربوي، فماذا عن الأسرة العمانية الآن وكيف يمكن مواجهة تلك المشكلة؟

يقول الدكتور حمود النوفلي أكاديمي بجامعة السلطان قابوس متخصص في علم الإجتماع ومستشار نفسي وتربوي: الفراغ التربوي ناجم عن انشغال الوالدين كل في عمله إلى جانب فقدانهم للمعرفة السليمة بالأساليب التربوية التي تتناسب وكل مرحلة عمرية. إضافة إلى غياب الوعي والمعرفة لديهما في بعض الأحيان، والتفاوت الثقافي والعلمي والفكري بينهما، حيث تجد كل منهما يوجه بحسب مستواه وإدراكه إلى جانب انشغالهما في الكثير من تفاصيل الحياة الأخرى، وعدم التفات الأبناء لتوجيه آبائهم كلها عوامل أدت إلى خلق خلل في وظيفة الأسرة التربوية على اعتبار أنها البيئة الأولى التي ينشأ فيها الفرد ويتأثر بكل ما يدور فيها من تغيرات وأحداث. ويشير د. النوفلي إلى النتائج المترتبة على الفراغ التربوي تمتد لتشمل الأبناء والآباء والمجتمع عامة، من خلال إخراج جيل غير واع، تنقصه القيم التربوية الأساسية إلى جانب عدم قدرة الآباء على التحكم في سلوكيات أبنائهم وذلك لأنّ الوقت المناسب قد فات. فعليه يجب أن يتم تكثيف الوعي للآباء وتشديد القوانين بإلزامهم بتوجيه الأبناء ومحاسبتهم في حال جنوح الأبناء قبل السن القانوني، إلى جانب ضرورة استخدام ما توفره التقانة من وسائل في سبيل الرقي بهم للمثل العليا من الأخلاق على اعتبار أنّه جيل متناغم بدرجة عالية مع ما تطرحه وتوفره التكنولوجيا.

تاثيرات العولمة

وتضيف فضيلة حمد الجابرية خريجة قسم العمل الاجتماعي بجامعة السلطان قابوس قائلة: العولمة وما أفرزته من دخول بعض الثقافات والاتجاهات الخاطئة غير المستندة على أسس علمية صحيحة غيّرت المجرى التربوي الذي كانت تتبعه مؤسسات التنشئة الاجتماعية ومنها الأسرة، حيث أصبح الأبناء يتولون زمام المسؤولية وهم في سن مبكر دون رقابة أو توجيه، إلى جانب انشغال الآباء بالتقنية الحديثة التي سلبت أوقاتهم بل وأوقات أبنائهم أيضا، كما أنّ بعض الآباء منشغلين بتجميل مساراتهم الحياتية الخاصة كاستكمال مشوارهم الدراسي أو الاهتمام برقي مستواهم في مناصبهم الوظيفية دون أي موازنة في الأدوار المطالبين بها مع أبنائهم، مما أدّى إلى خلق تصارع في الأدوار والإتيان ببديل ليقوم بهذه الأدوار مع الأبناء حيث أصبح من يسد الجانب التربوي في الكثير من الأسر هو من العمالة الوافدة. وأشارت إلى أنّ الانحراف الواضح في سلوكيات الأبناء وما يترتب عليه من مشكلات اجتماعية ونفسية وتعليمية كانتشار مدمني المخدرات والسرقات، وتشبه الجنسين ببعضهما والهروب من المدراس وتدني المستوى التعليمي وغيرها، من أبرز النتائج المترتبة على فقدانهم للتربية، مؤكدة أنّ الأثرعلى الآباء يتجلى بوضوح في الجانب النفسي، حيث تتراكم لديهم المشاعر السلبية من هم وحزن نتيجة انحراف أبنائهم والتأثير على الجانب الصحي من أمراض الضغط والقلب، إلى جانب تأثر الآباء اجتماعيا من خلال تراجع اختلاطهم ومشاركاتهم مع المجتمع بسبب خروج أبنائهم عن القيم التي تأسس عليها المجتمع، وأخيرًا كل ذلك سينعكس سلبا على المجتمع عامة من خلال انتشار الفساد والسلوكيات غير السوية الأمر الذي يهدد أمن المجتمع واستقراره ورقيه وتقدمه. ومن وجهة نظري أرى أنّه يجب أن تكون هناك شراكة بين الوالدين في التربية وتكامل الجهود من مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية كلٍ ودوره المنوط به والمتوقع أن يقوم به، وتخص بالذكر الأسرة على اعتبارها تشكل لب المجتمع الذي به يقوم عماد الأخلاق والقيم المجتمعية التي يجب أن يتربى الأبناء عليها.

أمّا عادل الهنائي ابن لأب متقاعد وأم غير موظفة فيشير إلى أنّ عمل الأبوين هو السبب الرئيسي في فقدان الأبناء للتوجيه التربوي نتيجة غياب الإرشاد والنصح من الجانبين مما يؤدي إلى فقدان التكامل داخل الأسرة الواحدة، مؤكدا أنّ ممارستهم للعمل ليس هو الخطأ ولكن عدم معرفتهم بطريقة موازنة الأدوار والقيام بالمهام الحياتية المختلفة هي المشكلة، ويختم حديثه بضرورة إعادة الانسجام والتناغم إلى الأسر حتى يحظى الأبناء بالأمان في كل مراحل الحياة وذلك لما للوالدين من دور فعال من شأنه أن يصنع خارطة الحياة للأبناء وينظمها ويحفظ كل الحقوق لهم ويضع حياتهم على كفتين متعادلتين دون أن ترجح إحداهما على الأخرى.

من جهتها قالت سلمى الهنائية ربة منزل وأم لسبعة أبناء: السبب لا يكمن فقط في انشغال الوالدِين بعملهم في المؤسسات أو عملهم خارج المنزل بشكل عام، ولكن يكمن في الاعتقاد الخاطئ لدى الكثيرين ومنهم الآباء أنّ مسؤولية التربية تقع على عاتق الأمهات فقط مما أدى إلى فقدان التوازن التربوي وفقدان الأبناء لأحد جوانب التنشئة الأساسية، مدعمة حديثها بأنّ الكثير من الإحصائيات العالمية توصلت إلى أنّ الأبناء الذين حظوا بوجود دور الأب في حياتهم هم أقل عرضة للسلوكيات المنحرفة.