إزالة الصورة من الطباعة

ظفار .. أنهار اللبن والماء

سالم الكثيري

تناول الكاتب محمد رضا اللواتي في مقاله بجريدة الرؤية الأسبوع الماضي والذي حمل عنوان (حليب عمان وألبان ظفار) موضوع الأمن الغذائي، مشيرًا إلى ما تعرضت له مشاريعه من تأخير غير مُبرر طيلة السنوات الماضية ومنوهاً إلى ضرورة العمل الجاد للنهوض به إلى أفضل مستوياته، وعطفًا على الموضوع ذاته فإنَّ الجميع يعلم ما تتميز به مُحافظة ظفار من أعداد كبيرة في الثروة الحيوانية ولعل هذا يتضح جليًا خلال موسم الخريف الحالي حيث يشاهد الزائر قطعان الإبل والأبقار والأغنام تسرح جيئة وذهابًا في السهول والقمم والشعاب، كما يُلاحظ العرض الوافر للألبان على أيدي الأطفال في مختلف المواقع السياحية، إنَّ ظفار التي تسكب سحائبها دموع المطر كل خريف لتتحول إلى أنهار في مختلف الأودية والعيون تجود علينا كذلك طيلة العام بغزارة منقطعة النظير في إنتاج الألبان، فلا يكاد أحدنا يعبر واديًا أو يعتلي تلة حتى يجد أحد المواطنين مرحباً به مقدماً له ما لذَّ وطاب من هذا اللبن الوفير، إلا أنَّ هذه الوفرة لم تجد من يستوعبها إلى يومنا هذا على شكل تصنيع وتعليب مقنن، ولازالت أنهار الألبان هذه تجري وللأسف الشديد دون أية استفادة تُذكر حتى لحظة كتابة هذا المقال.

إن الحديث عن هذا الموضوع حديث ذا شجون فما يفتأ يذكر على رأس كل عقد من الزمان حتى ينسى أو يتناسى أو يضيع في غياهب التخطيط، ولا أكون مبالغاً إذا أخبرتكم أنَّ هذا الحلم يعد صديق طفولتي إذ كنت أسمع أنَّ وزارة الزراعة ستنشئ مصنعًا للألبان ومشتقاته وها أنا على مشارف الأربعين بينما صديقي لايزال جنينًا.

صحيح أننا نستبشر خيرًا بهذا العقد والذي سنطلق عليه عقد الأمن الغذائي بامتياز وذلك للتوجه الجاد الذي نلمسه من الجهات الحكومية في هذا الجانب من حيث الإعلان عن تنفيذ أكثر من مشروع للحوم والألبان في عدد من المُحافظات والتطمينات التي نستشعرها من قبل القائمين على رأس الشركة العمانية القابضة للأمن الغذائي للبدء في مصنع الألبان في محافظة ظفار أخيرًا والتحرك ميدانيًا من خلال عقد لقاءات مع المربين على مستوى النيابات وذلك لشرح طريقة ونقاط التجميع وتحديد الأسعار وهو مؤشر إيجابي على الجدية في الأمر وأن المصنع المنتظر بات قاب قوسين أو أدنى من الواقع بإذن الله ولن يتعرض هذه المرة لما تعرض له سابقاه من وأد في اللحظة الأخيرة.

تتحدث بعض الأرقام عن حاجة السوق المحلية لستة أضعاف ما ينتج حالياً من الألبان الطازجة ومشتقاتها، ولهذا فإن قيام مصنع الألبان بات ضرورة ملحة داخلياً، ناهيك عن إمكانية الاستفادة من الكميات الكبيرة المتوقعة للتصدير خارجيًا، إنَّ الأمر لم يعد يحتمل التأخير أكثر مما كان عليه، فالظروف السياسية والاقتصادية العالمية متقلبة وغير آمنة في وقتنا الحالي أكثر من أي وقت مضى، فماذا لو قررت الشركات التي تصدر لنا الألبان والماء توقيف خطوط توزيعها في السلطنة لأسباب منطقية أو غير منطقية مما نسمع عنه بين فترة وأخرى من قبل الشركات والدول، هل سنبدأ البحث لعقد اتفاقيات مع مزودين آخرين ونحن نمتلك مصادر الثروة الأساسية من أفلاج وعيون تجري على مدار العام وثروة حيوانية بأعداد هائلة جدا، وهل نحن مستعدون للعودة إلى شرب الماء من الأفلاج والعيون دون تصفية أم أنَّ مصانعنا قادرة على سد العجز لو طرء شيء ما لم يكن في الحسبان.هذا السؤال موجه إلى كل مسؤول عماني صاحب قرار.

ومن هذا المنطلق نتمنى أن تتم إعادة النظرسريعًا في الاستفادة من مياه الأفلاج والعيون لتصنيع المياه المعدنية في السلطنة بشكل عام وأن يسير مصنع تجميع الألبان من مربي الثروة الحيوانية في محافظة ظفار وفقاً لما هو مرسوم له كما حصل في محافظات أخرى وأن يتحقق هذا المشروع التكاملي على أرض الواقع وذلك لأهميته القصوى على مستوى الوطن كأحد أهم مصادر الغذاء ولدوره في تعزيز مستوى دخل مُربي الثروة الحيوانية وتحول المربي من مستهلك إلى مشارك في الإنتاج والحد من عملية الرعي الجائر وذلك من خلال تقليل أعداد الحيوانات والتركيز على السلالات المنتجة وعلى الكيف بدل الكم والبدء في الخطوة الأولى في تحقيق الأمن الغذائي.