إزالة الصورة من الطباعة

تحذيرات عالمية من تأثير أسعار الوقود على معدلات النمو.. ومخاوف من فخ الركود

 

الرؤية - نجلاء عبدالعال

حذرت تقارير دولية من التأثير السلبي لزيادة أسعار الوقود بشكل متواصل على المدى الطويل، خصوصا في تحجيم معدلات النمو ورفع مستويات التضخم وترسيخ مظاهر الركود والكساد في عدة قطاعات، حيث أرجعت وكالة "موديز لخدمات المستثمرين" تخفيض توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الهند في عام 2018 بمقدار 0.2 نقطة مئوية إلى ارتفاع أسعار النفط جزئياـ وحذرت من احتمال انخفاض الإنفاق الاستهلاكي وارتفاع التضخم في جميع أنحاء العالم إذا استمرت الأسعار المرتفعة الحالية للنفط الخام.

ورصد تقرير حديث نشرته "بلومبرج" تأثيرات متباينة لارتفاع أسعار النفط على العالم، وحمل التقرير عنوانا لافتا: "هل نواجه صدمة نفط؟ الإشارات تقول نعم"، ويشرح التقرير نماذج من تداعيات ارتفاع أسعار الوقود في العالم، ومنها البرازيل، حيث أدى إضراب سائقي الشاحنات احتجاجاً على أسعار الوقود إلى توقف الاقتصاد على مدار الأسبوع الماضي، وأدى إلى توقف صادرات فول الصويا والقهوة والدجاج، ودفع بعض البرازيليين إلى الدعوة إلى عودة "حكم الجنرالات". وفي الهند، سجلت أسعار الديزل والبنزين رقماً قياسياً لم تسجله منذ سنوات، مما أدى إلى مطالبة الحكومة بتخفيض الضرائب، وفرض سقف لسعر الوقود على شركة النفط والغاز الطبيعي التي تسيطر عليها الدولة، كذلك فإن الحكومات في تايلند وفيتنام وإندونيسيا بدأت بالفعل في منظومة لزيادة الإنفاق على دعم الوقود لحماية المستهلكين من آثار ارتفاع أسعار النفط وضعف العملات الوطنية.

ومن أكثر القطاعات الاقتصادية تأثرا على مستوى العالم شركات الطيران التي انتهى عهد ذروة أرباحها التي حققتها بسبب الرياح المواتية الناجمة عن انخفاض تكاليف الوقود مع تراجع أسعار النفط خلال السنوات القليلة الماضية، وفقاً لما ذكره ألكسندر دي جونياك، المدير التنفيذي للرابطة الدولية للنقل الجوي. وبدأت بعض الشركات في رفع الأسعار فقد أعلنت شركة سيبو إيرك، وهي شركة طيران فلبينية، هذا الأسبوع عزمها فرض رسوم وقود جديدة.

ورغم أن متوسطات أسعار النفط حاليا لم تصل إلى مستوياتها في 2014 و2015 إلا أن التقارير تؤكد أن ذلك لا يمنع أن العالم يدخل في مرحلة يضغط فيها سعر النفط على الاقتصاد ما قد يتسبب في حالة من الأزمة الاقتصادية، ويشرح أنه بالفعل فإن خام برنت مازال يكافح لكسر حد 80 دولاراً للبرميل، بينما لا تزال أسعار بقية نفوط العالم في نفس المتوسط، أي أن السعر أقل بنحو الثلث عن مستوياته قبل أربعة أعوام. لكن الخام لديه ذاكرة قصيرة؛ ويضرب مثالا فيذكّر بفترة حرب الخليج الأولى. وفي الأشهر الخمسة بين غزو صدام حسين للكويت عام 1990 وبدء عملية عاصفة الصحراء، عندما قفز سعر نفط غرب تكساس ​​إلى متوسط ​​30.84 دولار للبرميل. فعلى الرغم من أن الارتفاع لم يمثل أكثر من مجرد عودة إلى الوضع قبل أن تزيد السعودية إنتاج النفط وتنخفض الأسعار في أواخر عام 1985، فقد كان ارتفاع السعر يكفي للمساعدة في بدء الكساد في أوائل التسعينيات.

ويشير تحليل للصدمات النفطية السابقة أعده جيمس هاملتون من جامعة كاليفورنيا، إلى أن هذه الصدمات بارتفاع أسعار النفط كانت مؤشرا قويا على فترات الركود. حيث سبقت الزيادات السريعة في أسعار النفط 10 من قمم 11 دورة ركود في الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، وفقط أثناء أو بعد فترات الركود مباشرة لم يؤدي الارتفاع الجديد في أسعار النفط إلى ركود جديد وذلك في أعوام 1970 و1973 و2003.

وعلى مدى الأشهر الـ 11 الماضية، ارتفع سعر خام برنت بنسبة 62 في المائة وارتفع خام غرب تكساس بنسبة 46 في المائة - لكن هل يشكل ذلك صدمة نفطية تؤدي إلى ركود؟ بمقياس واحد، يمكن أن يحدث ذلك. وأحد الطرق للتحليل والوصول إلى هذه النتيجة هي الطريقة التي أطلقها هاملتون، وهي مقارنة أسعار النفط الحالية بأعلى مستوى لها على مدى السنوات الثلاث السابقة.

ووفق هذه الطريقة فعندما تكون الأسعار أقل من ذروتها السابقة، يمكن اعتبار أي زيادة في العودة إلى القاعدة التي كانت الأسعار قد انطلقت منها، يكون هناك احتمال حدوث صدمة ركود حقيقية على مقياس هاملتون، وبالتالي فهناك "أقوى ضوء أحمر وامض منذ عام 2008." وفق ما جاء بالتقرير.

هل هذه المخاوف سابقة لأوانها؟ سؤال يطرحه التقرير، موضحا أنّ نسبة النمو العالمي الحقيقي ستصل إلى 4 في المائة هذا العام للمرة الأولى منذ عام 2011، وذلك حسب توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا الأسبوع. ويمكن القول إن أسعار المستهلكين، التي كانت تتراجع على مدى العقد الماضي في البلدان المتقدمة، يمكن مع دفعة إضافية من ارتفاع أسعار الطاقة أن تتحول إلى تغذية التضخم الأساسي وتسريع عودة أسعار فوائد البنوك المركزية إلى مستويات ما قبل الأزمة الاقتصادية العالمية. المؤشر الأمريكي للإدارة القياديةThe Conference Board’s U.S. Leading Index,، وهو أحد المقاييس التي تتم مراقبتها على نطاق واسع في دورة العمل، هو حاليا في أحد أعلى مستوياته على الإطلاق.

لكن في الوقت نفسه، يرى التقرير أنه لا ينبغي أن نتوقع رؤية المزيد من علامات الضعف الأخرى حاليا، لأنّ الصدمات النفطية بمثابة النذير، وليس الشريك، في تباطؤ النمو. وبينما ما زالت الأسعار المرتفعة للنفط لا تظهر بأنها تعوق الإنفاق الاستهلاكي في البلدان الغنية، إلا أن إضرابات سائقي الشاحنات في دول والإعانات الحكومية في دول أخرى تمثل إشارات قوية على أن تكلفة النفط الخام وتراجع أسعار العملات تجعل الدخل يتجه إلى جيوب أخرى.

ويخلص التقرير إلى أن كل هذه العوامل والإشارات ينبغي أن توفر دفعة إضافية للحكومات في الدول المنتجة خاصة المملكة العربية السعودية وروسيا عند تحديد مقدار الزيادة في إنتاج النفط، ومع إبقاء الخام الأمريكي داخل الولايات المتحدة، وبالتالي قد يكون الارتفاع في العرض وتخفيف الأسعار هو الشيء الوحيد الذي يقف بيننا وبين حالة الركود العالمي التالية.