إزالة الصورة من الطباعة

إرادة السلام.. تنتصر

حاتم الطائي

 

≥ جلالة السلطان.. رأس الحِكمة العُمانية ومُؤسس نهج الحياد الإيجابي

≥ عقيدة السلام أصل وليست من الفروع.. وتحققها مُمكن دائمًا

≥ "القمة الكورية" نصر ميداني جديد للحوار القائم على مراعاة مصالح الشعوب

≥ العالم بعد "27 أبريل" مهدَّد بـ"الألغام الأمريكية".. فواشنطن لن تستسلم بسهولة

 

 

صنعت الحكمة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم -أيَّده الله- سياسة خارجية قائمة على أسس السلام والتسامح والبناء، وحذفتْ من مُعجمها وأدبياتها لغة العداء والشقاق والفرقة؛ لذا كانت السياسة الخارجية لعُمان مثالًا يُحتذى به في مشارق الأرض ومغاربها، واصطك مصطلح "الحكمة القابوسية" الذي يحمل في معناه ومغزاه الكثير من المفاهيم التي إن انتهجتها الأمم والشعوب لتحقَّقت لها ما تصبوا إليه من آمال، وتنظر إليه من تطلعات.

ولأنَّنا -نحن العُمانيين- نُؤمن بهذه الحكمة، بل وتحوَّلت إلى أسلوب حياة ترسَّخ في وجداننا، لم نتفاجَأ بخطط إحلال السلام في شبه الجزيرة الكورية، بعد عقود طويلة من الخلافات التي اقتربت في أحيان منها إلى حدود حرب عالمية!

ورغم ما سبق، فإنَّ ثمة مفارقات في المقابل؛ إذ لم أُصَادف زعيمًا له هذه القُدرة على إطلاق المفاجآت، الواحدة تلو الأخرى، واحتلال عناوين الصُّحف الرئيسية وواجهات محطات التلفزة الإخبارية، بتصريحات ومواقف شديدة التباين، مثل الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، الذي أعادَ -عَصْر يوم الجمعة الماضي- تقدِيم نفسه للعالم من جديد، ولكن هذه المرة كرجل سَلام لا يُهدِّد بـ"زر تحكُّم عن بُعد" في ترسانة صواريخ محمَّلة برؤوس نووية عابرة للقارات.. فبابتسامةٍ عريضة اعتلتْ وجَهه وهو يُصافح الرئيس الكوري الجنوبي مون جيه إن، قبل اجتياز الفاصل الحدودي بين الدولتين يدًّا بيد -وبعيدًا عن التحوُّلات الكُبرى في قناعةِ الإدارتين تجاه ما اصْطَلحا عليه بـ"المُستقبل الآمن"- ارتسمتْ مجموعة مُؤشرات؛ ليس فقط على مُصالحة تاريخية تُنهي سبعة عُقود من الانقسام بين شطري شبه الجزيرة الكورية، فهذه قد تكون أقلها ظاهريًّا، وإنما أعنِي هُنا الانتصار المَيداني الذي تحقَّق مجدَّدا لإرادة السلام، وما يُترقب له من ثمار تشكيل قوَّة جديدة على خارطة القوى الكُبرى إقليميًّا ودوليًّا.

ويُمكن استيعاب ذلك من نجاح "قمَّة الكوريتين" في قَطْع الطريق على "اصطياد" الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في "ماء الخلافات الكورية"، والذي أدركته كلٌّ من بيونج يانج وسيول -وإن كان متأخرًا بعض الشيء- لتأتي القمة الأحدث في سلسلة مفاوضات بينهما، ممثلةً نقطة نظام تضْبِط اتجاه المساريْن المختلفيْن لتوجهات كيم ومون في وقتٍ تتغيَّر فيه خارطة العالم سياسيًّا واقتصاديًّا، بقناعة جديدة بأنَّ تواصُل الخلافات لن يفيد أي طرف، وأن كل شطر منهما على حِدة لن يتمكَّن من مُسايرة هذه التغيرات، وسيكون مصير كوريا الجنوبية مثل مصير تايوان وهونج كونج، وأنَّ الشطر الشمالي سيزداد عُزلة، وستُضعفه عقوبات المجتمع الدولي وتؤثر فيه بشكل أو بآخر.. ليُعلِن الزعيمان رسميًّا عند النقطة الحدودية "بانمونجوم" أمام الشعب الكوري والعالم بأسره أنه لن تكون هناك حرب أخرى على شبه الجزيرة الكورية، وبالتالي بدء عَهْد جديد من السلام.

أُدرك تمامًا -وغيري كثيرون- أنَّ الطريق لا يزال طويلاً جدًّا، بل ومليئًا بالألغام -والأمريكية منها على وجه الخصوص- إذ إن واشنطن لن تستسلم بسهولة، لكنَّ مَيْل الزعيمين الكوريين للمصالحة والجنوح للسلام بلا شك تطوُّر مهم يبعث على التفاؤل. فبحسابات الربح فقط، فإن اتحاد كوريا الشمالية مع شطرها الجنوبي -وإن لم يكن هذا الاتحاد وحدة جغرافية، بل سياسية وإستراتيجية على المديين القصير والمتوسط- يَعْنِي قوَّة بين طرفين؛ الأول يمتلك إرادة سياسية حديدية، وسلاحا نوويًّا، وجيشا متماسكا، والثاني له قوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية، وشركات مثل سامسونج وهيونداي، وتكنولوجيا نووية متقدمة أيضًا، فضلا عن إدراك صانعي القرار في كوريا الجنوبية لأن مطالب الولايات المتحدة من الجار الشمالي غير مقبولة إطلاقا بالنسبة لكيم جونج أون؛ فواشنطن تطالب بيونج يانج بـ"حل على نمط ليبيا"، أي نزع السلاح النووي أولا، قبل تقديم أية ضمانات أمنية أو مساعدات اقتصادية، أو حتى تخفيف العقوبات الدولية المفروضة والتي تعد الأقسى في التاريخ، بينما كيم يدعو للتخلي عن البرامج النووي بصورة تدريجية تضمن "تحقيق كل شيء"؛ مثل: ضمان بقاء النظام، والاعتراف بالدولة النووية الجديدة، ورفع العقوبات، وتوحيد الكوريتين تحت زعامة شمالية، وإنهاء التهديد الأمريكي.. وبالتالي فإنَّ "اتفاق بانمونجوم" نحو إقامة كوريا موحدة بسلاح نووي ضمنيًّا، هو ضَرْبة "في مقتل" للتحالف الإستراتيجي بين سيول وواشنطن، وهو ما كان مُفاجئًا إعلان الرئيس الكوري الجنوبي عنه صراحة لنظيره الشمالي: "نحن أمة واحدة، ولا يوجد هناك سبب لكي نتقاتل"، في تأكيد على رغبة ثنائية في التعايش المشترك، بعيدًا عن أية تدخلات خارجية، وهي المعنى الرديف للقناعة الإنسانية بأنَّ الحروب ما هي إلا شكل من أشكال البربرية، وأن لا سبيل لحل أيٍّ من المشكلات بعيدًا عن الحوار والتفاوض.

وبالمناسبة، فإنَّ ما يُمكن تسميته بـ"معاهدة السلام بين الكوريتين" ستكتُب كذلك نهاية مهمة الأمم المتحدة في كوريا الجنوبية، والتي تواجدتْ هناك منذ نهاية الحرب الأهلية التي كانت تقودها الولايات المتحدة أيضًا، خصوصاً بعدما تقاسم الزعيمان الكوريان التزامًا راسخًا بوضع نهاية سريعة للحرب الباردة، والاعتراف بمبدأ تحديد مصير الأمة الكورية من تلقاء نفسها، بعد تنفيذ كامل لكل الاتفاقيات والإعلانات القائمة التي تم تبنيها بين الجانبين. النقطة الأبرز هنا كانت في الاتفاق على إنشاء مكتب اتصال مشترك مع الممثل المقيم لكلا الجانبين في منطقة جايسونج؛ من أجل تسهيل التشاور الوثيق بين السلطات، فضلا عن التبادل السلس والتعاون بين الشعبين، بما يدعم اتفاق كليهما على وقف جميع الأعمال العدائية ضد بعضها البعض، في كل مجال، ونزع السلاح بطريقة مرحلية، تخفيفًا لحدة التوتر العسكري، وبناء الثقة، وإنشاء نظام سلام دائم ومتين في شبه الجزيرة الكورية، مع التأكيد على ضرورة عقد اجتماعات ثلاثية الأطراف بنشاط تشمل الكوريتين والولايات المتحدة، أو رباعية تشمل الكوريتين والولايات المتحدة والصين؛ بهدف إعلان إنهاء الحرب وإقامة نظام سلام دائم ومتين.. إنها إرادة ذاتية نابعة من إدارة البلدين لتحقيق استقلالية تامة في الرأي والقرار.

الضربة الأخرى التي وجَّهتها "قمة بانمونجوم"، للرئيس ترامب، قبل لقائه المزمع مع كيم جونج أون، كانت من جهة الملف الاقتصادي هذه المرة، بعدما وافقتْ الكوريتان على تشجيع المزيد من التعاون والتبادل والزيارات، لتنفيذ المشاريع التي سبق الاتفاق عليها في إعلان 4 أكتوبر 2007؛ من أجل تعزيز النمو الاقتصادي المتوازن والرخاء المشترك للأمة، واتفاق الطرفين على اتخاذ خطوات عملية نحو ربط وتحديث السكك الحديدية والطرق في ممر النقل المخصص وكذلك بين سيول وسينويجو لاستخدامها؛ مما يعني تكاملا على مستويات التعاون المختلفة بشكل أكثر جدية، يُعرقل استثمارات واشنطن هناك والمستفيدة من إبقاء الخلاف الكوري مشتعلًا.

... إنَّ ما حملته القمة الكورية من أبعاد، يجعلني أقول بأنَّ ما في المنطقة من حَوْلنا، والإقليم بشكل عام، من قضايا عالِقة، ودماء أبرياء تُراق، وهلع وإرهاب، وخراب ودمار، وحروب بالوكالة تُدار هنا هناك، وتجارة سلاح تَنْشَط باستثمارات مليارية لتنفيذ مُخطَّطات مشبوهة، أنهكت جميعها قدرتنا -نحن العرب- سياسيًّا وعسكريًّا، وتفاوضيًّا، وأخلَّت بموازين القوَّة والنِّدية في مشهد يدُعونا لإعادة ترتيب الأوراق من جديد، وتحكيم العقل وترك زمامه للغة الاتزان والحكمة لتقول كلمتها، ولنؤمن في دواخلنا بأن السلام والوفاق والتسامح بين العرب ليس مستحيلا، بل ينبغي أن يكون سهلا.

إننا في عُمان -ولله الحمد- لنُفاخِر بالثِّقل الدولي المتحقَّق لبلادنا بفضلِ نَهْج "الحياد الإيجابي" المُشكِّل لوعي سياستنا الداخلية والخارجية، والتي صاغ مُفردات تميُّزها مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -أيَّده الله- بجهود دؤوبة ومساعٍ صادقة لتقريب وجهات النظر وتجسير فجوات الخلاف، وإبقاء أبواب عُمان مُشرَعة أمام الجميع، لتقود ملفات الوساطة بفاعلية وثقة وهدوء بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، فنالت اليوم ثقة وصداقة العالم أجمع، برصيدٍ زاخرٍ ورسالة بلد مُحبٍّ للسلام.

ويبقى القول في الأخير.. إنَّ صِدق النَّهج العُماني وواقعيته أثبتته "قمة الكوريتين" بأن عقيدة السلام أصلٌ وليست فرعًا، وأن تحققها ممكنٌ بغضِّ النظر عن أي شيء، وأن الحوار وحده هو أقوى أدوات التسوية لأكثر القضايا تعقيدًا. فمَنْ كان يملك الإجابة بـ"نعم"- قبل 48 ساعة فقط من الآن- على: "هل يمكن إنهاء النزاع بين الكورتيْن دُون حرب عالمية ثالثة؟" أظن: لا أحدًا.. إنَّها إرادة السلام تنتصر من جديد.