إزالة الصورة من الطباعة

مختصون وأولياء أمور: توفير إحصاءات دقيقة لحالات التحرش يساعد في حصار الظاهرة

استطلاع – الرؤية

قال عدد من المختصين وأولياء أمور الطلبة بالمدارس إنّ التحرش الجنسي مشكلة لا بد من التصدي لها من خلال تكاتف مؤسسات التنشئة والمجتمع المدني لنشر الوعي بخطورتها والإلمام بجوانبها، وأشاروا إلى أن القانون إلى جانب الطفل بفرض عقوبات على الجاني تصل إلى السجن خمس سنوات. كما أتاحت منصات التواصل الاجتماعي فرصة للتعريف بهذه المشكلة الخطيرة لما تشكّله من خطر على الأجيال الجديدة فضلا عن منافاتها للدين والفطرة الإنسانية. وأكّد المشاركون في استطلاع "الرؤية" أنّ توفير إحصائيات دقيقة حول عدد حالات التحرّش الجنسي المرصودة في السلطنة من شأنه أن يساهم في تمكين المؤسسات المعنية من مواجهة هذه الظاهرة.

وقالت فاطمة إحسان - متخصصة في علم النفس- عن أسباب ظاهرة التحرش الجنسي بالأطفال إنّه يصعب القول بأنّ ظاهرة الاعتداء الجنسي على الأطفال حديثة، فهي غالباً قضيّة مستترة يصعب الإفصاح عنها من قبل الطفل إذا لم يكن هنالك شاهد على الحادثة، مما يترتب عليه صعوبة تقدير عدد الأشخاص الذين تعرضوا لأي شكل من أشكال الاعتداء الجنسي في طفولتهم، لكن ما استجد الآن هو سرعة انتشار الأخبار المتداولة عند حدوث حادث من هذا النوع، وارتفاع نسبة الوعي المجتمعي بخطورة هذه الظاهرة وبالتالي إيلاؤها مزيداً من الاهتمام والحرص.

وأوضحت فاطمة أنّ هنالك جملة من الأسباب التي تجعل الطفل أكثر عرضة للاعتداءات بمختلف أشكالها من أهمها أسلوب التنشئة الأسرية الخاطئ كالإهمال والقسوة أو التدليل والحماية الزائدة، من جهة أخرى يعد ضعف رقابة الأسرة أو المدرسة عاملاً مساهماً في انتشار هذه الظاهرة، كذلك يؤدي ضعف الوعي بالمعلومات المتعلقة بالحياة الجنسية، وخجل الوالدين من الإجابة عن تساؤلات الأبناء المتعلقة بالسلوك الجنسي، إلى جانب تضاؤل فرص الطفل في صد محاولات الاعتداء الجنسي عليه.

وحول الطرق الصحيحة في التعامل مع المعتدي قالت فاطمة: ينبغي التعامل مع حالات المعتدين على أنّها حالات فردية، يستدعي كل منها تدخلاً نفسياً يتلاءم مع مسببات الاضطراب لديه، سواء كانت تلك مسببات اجتماعية و بيئية أو مسببات ذاتية بالدرجة الأولى، مع وجود عقوبات رادعة تمنع حدوث الاعتداءات أو تكرارها في بيئة المدرسة، وقبل ذلك كله ينبغي أن تكون بيئة المدرسة معززة بتربويين مؤهلين للتعامل مع أطراف حوادث الاعتداء الجنسي، من معلمين واختصاصيين نفسيين واجتماعيين قادرين على رفع وعي الطلبة فيما يتعلق بالقيم و المبادئ، وملاحظة سلوكهم بشكل دقيق؛ مما يمكنهم من حماية ضحايا هذه الاعتداءات من جهة أخرى ينبغي وجود نظام لكيفية رفع الشكوى من الضحية، و تحويلها للقضاء في الحالات التي تستدعي تدخلاً قانونياً مباشرا

القانون وحماية الطفولة

وأوضح محمد المعمري - محامي بمكتب رجب الكثيري محامون ومستشارون قانونيون- وجهة النظر القانونية في هذا الجانب، قائلا إنّ الطفل يعرف وفقا للمادة (1/د) من قانون الطفل العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 22 / 2014 على أنه: (كل إنسان لم يكمل الثامنة عشرة من العمر بالتقويم الميلاد ). كما يقصد بالتحرش الجنسي بالأطفال: كل ما يؤدي إلى استثارة الطفل عمداً، ويدخل في ذلك لمس أعضاء الطفل بغرض الإثارة، أو إجبار الطفل على لمس أعضاء الطرف الجاني، أو تعريضه لمشاهد جنسية عن طريق الرؤية أو الاستماع، ويصل للممارسة أو استخدامه فى الاستمناء. ويعد التحرش الجنسي جريمة يعاقب عليها القانون بمقتضى المادة (72) من قانون الطفل بدلالة المادة (56/ ب) من ذات القانون، حيث جاءت العقوبة رادعة لمن تسول له نفسه التعدي على براءة هؤلاء الأطفال فقد نصت المادة ( 72) المذكورة أعلاه على أنه :(يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن (5) سنوات، ولا تزيد عن (15) سنة، وبغرامة لا تقل عن (5000) ريال عماني، ولا تزيد عن (10000) ريال عماني.

وأضاف المعمري أن المشرع العماني أعطى عناية خاصة للطفل، حيث جعل آلية لحماية حقوقه، حيث نص المشرع في المادة (61) من ذات القانون على تشكيل لجان تسمى (لجان حماية الطفل) وتكون لأعضائها صفة الضبطية القضائية في سبيل تطبيق أحكام هذا القانون. وتختص هذه اللجان بتلقي الشكاوى والبلاغات عن أي انتهاكات لحقوق الطفل، وعن حالات تعرضه للعنف أو الاستغلال أو الإساءة، كما يكون من حق الأشخاص الإبلاغ عن أي واقعة في هذا الشأن، خصوصًا الأطباء والمعلمين الذين قد تصل إليهم هذه الوقائع بحكم مهنهم. لافتا إلى أن الأطفال الذين يقعون ضحية عنف أو إساءة أو استغلال فيتم إيداعهم بدار الرعاية المؤقتة وذلك بقرار من الادعاء العام بناء على توصية مندوب حماية الطفل، ويعاد كذلك إلى ولي أمره بذات الطريقة بعد زوال أسباب الإيداع وآثاره، بعد تعهد ولي الأمر كتابة برعايته.( المادة 64) من القانون ذاته.

ويلزم القانون الجميع أن يبلغوا عن أي فعل يشكل جريمة بواسطة الاتصال بأقرب مركز شرطة أو إدارة الإدعاء العام مما يسهل عليهم الوقوف على ملابسات أي واقعة أو أي جريمة قد تحدث، ويؤدي بالتالي في الكثير من الحالات إلى كشف الفاعل. ويلزم الموظف العمومي أو المكلف بخدمة عامة بالإبلاغ عن الجرائم التي يتصل علمه بوقوعها أثناء تأديته للوظيفة أو بمناسبتها وفق ما نصت عليه المادة (29) من قانون الاجراءات الجزائية، وذلك لإجراء التحقيق بالسرعة الممكنة لأن عدم الإبلاغ يعد تستر على الجريمة وهو مخالف لأحكام القانون ويرتب مسؤولية جزائية بحق الموظف الذي لا يقوم بالتبليغ وذلك عملا بأحكام المادة (162) من قانون الجزاء العماني.

 وأكد العمري أنه ينبغي على الآباء ألا يتركوا المجرم دون عقاب، فعليهم تقديمه للجهات المختصة عن طريق تقديم شكوى تمهيدا لإحالته إلى القضاء لنيل العقاب دون تساهل أو تعاطف جزاء لفعله الإجرامي المشين حتى يكون عبرة لكل من تحدثه نفسه الاعتداء أو استغلال براءة الطفولة، لأنّ التكتم على ذلك يعطي المجرم فرصة ومجالاً ليعاود فعلته مجددًا مع طفل آخر.

خطط علاجية وتأهيلية

وقال سالم الفارسي – مشرف دار إصلاح الأحداث- إنّه لا يجري استقبال أحداث تعرضوا للتحرش وفقا لإحصاءات الأحداث المودعين بدار إصلاح الأحداث بأمر من المحكمة المختصة وإنّما يتم استقبال حالات أحداث ارتكبوا قضايا تحرش. وتعمل المديرية العامة للرعاية الاجتماعية بوزارة التنمية الاجتماعية ممثلة بدائرة شؤون الأحداث جاهدة في سبيل إنجاح عمليّة إصلاح الأحداث وذلك من خلال برنامج متكامل بالتعاون مع المؤسسات الحكوميّة ومؤسسات المجتمع المدني لتقويم سلوك الحدث ويعمل على تنمية إحساسه بالمسؤولية، إضافة إلى مد جسور التعاون والتواصل المجتمعي مع الأحداث لتعزيز دور الشراكة المجتمعية لغاية تحقيق أهداف المؤسسة الإصلاحية.

ومن جانبه، تحدث الفارسي عن الخطة العلاجية للحدث التي تعمل وفق آلية مستمرة ومتواصلة منذ اللحظة الأولى لاستقبال الحدث وحتى بعد خروجه والتي ترتكز على الإطلاع على تطور أدائه ومسببات جنوحه ودور الأسرة والبيئة بالحدث والتعرّف على ميوله وأهدافه من خلال برنامج التقويم النفسي بالاستعانة بالكفاءات في هذا المجال. وتعد مشكلة التحرش الجنسي وغيرها من المشاكل والظواهر المجتمعيّة المؤثرة سلبا في المجتمع التي تتصدى لها وزارة التنمية الاجتماعية ممثلة بدائرة شؤون الأحداث من خلال توعية الأحداث المودعين بدار إصلاح الأحداث بخطورتها وضرورة تجنّب مثل هذه السلوكيّات إلى جانب توعية المجتمع من خلال المحاضرات التوعوية التي تنفذها الدائرة.

اتفاقية حقوق الطفل

وقالت دينا رامس محفوظ - رئيس قسم البحوث والدراسات بوزارة الإعلام وعضو سابق بلجنة متابعة تنفيذ اتفاقية حقوق الطفل- إنّ حماية الطفولة من كافة أشكال الإساءة والعنف، كان من ضمن أولويات عمل لجنة متابعة تنفيذ اتفاقية حقوق الطفل، وقد سخّرت كافة إمكانيّاتها المادية وخبراتها العلمية والمهنية لتنفيذ مواد الاتفاقية وإيجاد نوع من المواءمة بين ما جاءت به الاتفاقية وبين التشريعات المحلية، خاصة ما يتعلق بالحقوق الأساسية كالحق في الحماية. ولتنفيذ هذه المنظومة من الحقوق التي جاءت بها الاتفاقية على أرض الواقع كان لزاما على اللجنة أن تعمل في إطار الشراكة المجتمعية مع المؤسسات الحكومية والأهلية والخاصة ذات العلاقة الوثيقة بالطفولة وأن توجد لنفسها إطارا استراتيجيا واضح المعالم والأهداف والرؤى تستهدي به لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصلحة الفضلى للطفل.

وفيما يتعلّق بتعزيز آليات حماية الطفل شكلت ما عرف بفرق عمل لدراسة الحالات الخاصة بالأطفال المعرضين للإساءة بالمحافظات بهدف متابعة حالات الاطفال الذين يتعرضون لسوء المعاملة والإهمال، ووضع البرامج الوقائية والرعائية والعلاجية بالتعاون مع الجهات المختصة، وقد تم تعديل مسمى هذه الفرق إلى لجان حماية الطفل "من العنف أو الاستغلال أو الإساءة بناء على قانون الطفل الصادر عام 2015م.

وأضافت دينا أنّه تمّ تدريب العديد من المختصين العمانيين العاملين في مجالات حماية الطفل من الوزارات والهيئات المختلفة، إلى جانب التعاون مع الهيئات الدولية المعنية بالطفولة مثل اليونيسيف لإعداد الدليل المرجعي لحماية الأطفال المعرضين للإساءة والعنف، كما حددت المادة 62 الحق في الإبلاغ عن أية واقعة تشكل عنفا أو استغلالا للطفل أو حتى انتهاكا لحق من حقوقه. ومن ضمّن التدابير لحماية الطفل إنشاء خط حماية الطفل على رقم (1100). ولا تزال هناك الكثير من الخطط والبرامج التي تضعها اللجان العاملة في مجال حماية الطفل سنويا من أجل إيجاد بيئة آمنة وسليمة وصحية لأطفالنا.


دور المدرسة والأسرة

وأشار ناصر الفهدي - مدير مدرسة البشير بن المنذر للتعليم الأساسي - إلى أنّ المدرسة تعمل على مواجهة والتصدي لهذه المشكلة من التحول إلى ظاهرة من خلال توجيه الطلاب ووضع برامج إرشادية جمعية عن التحرش الجنسي بعنوان "كيف تحافظ على نفسك من أخطار الآخرين" إضافة إلى اتخاذ إدارة المدرسة لإجراءات صارمة ضد الطالب المسيء في حال حدوث أي سلوكيات غير مرغوبة، كما انتبهت المدرسة لأهمية إشراك أولياء الأمور وتوعيتهم من خلال إقامة المحاضرات التوعوية.

وأوضح الفهدي أنّه في حالة وقوع حالة تحرش لطالب فإنّها نسعى إلى توفير الدعم والأمان وإشعاره بالثقة حتى يسرد للاختصاصي الاجتماعي تفاصيل الواقعة وبعدها تتم إحالته إلى المختص النفسي الذي بدوره يعمل على إعادة تأهيل الطفل لدمجه في محيطه الدراسي، كما أنّ المدرسة توجه الأسرة بضرورة متابعة الطفل في المنزل وأثناء تعامله مع أقرانه.

إنّ الدور في مكافحة هذه المشكلة والتغلب علها لا يقع على كاهل المدرسة فحسب بل يجب أن يتعاون الجميع لطمس معالمها من المجتمع.

ويصف عبد العزيز سعيد حالة القلق المستمر التي يعيشها بصفته أب لطفلين يدرسان في مدرستين مختلفتين، رغم الاهتمام بتوعية أطفاله وتعليمهم بعض السلوكيات التي يجب أن يتبعها في حال تعرضه لتحرّش من قبل طالب أم أي شخص آخر وأن يلجأ لمدير المدرسة ووالديه ويحكي ما حدث بكل صراحة، ويوجّه عبد العزيز اللوم على أولياء الأمور الذين يغفلون عن توعية أولادهم وجزء من اللوم يقع على المدرسة التي لا تولي أهميّة لحماية الطلاب المنتسبين لها ويلام الطالب نفسه حين سمح بالتمادي للمتحرش وبقي صامتًا.

اللمسة الحسنة والسيئة

وتناولت الكاتبة زوينة سالم – مديرة مؤسسة الأوائل التعليمية – في إصدارها الأخير "اللمسة الحسنة واللمسة السيئة" ظاهرة التحرش بالأطفال وأساليب التوعية الملائمة لتجنّبهم هذا الخطر من خلال أسلوب منهجي ومدروس يمكن للمربي تطبيقه بفعالية على بيئته المحيطة وتقول زوينة: شعرت بأهمية أن يكون ولي الأمر شريكا في التوعية السليمة، في البيت كما نفعل في المدرسة، فالموضوع حساس، وعليه قدمت مساهمتي في توعية وتثقيف المربين سواء الوالدين، أو المعلمين في رياض الأطفال والمدارس والمراكز الطفولية حول سبل تقديم الإرشادات المناسبة للأطفال، والتي من شأنها وقايتهم من التعرض للتحرش، عن طريق تقديم الإرشادات المناسبة للأطفال، وخلق الوعي، بدون التسبب في خلق الفزع والريبة وفقدان الثقة غير المبرر في الآخرين.

واقترحت في الكتاب عددًا من الأساليب الفعّالة التي يجب أن يعمل بها المربي لتفادي خطر التحرّش أبرزها توعية الأطفال بخطورة التعرض للإساءة الجسدية والنفسية، وتعليمهم أنّ أجسامهم ملكهم وليست ملك أي أحد آخر وتعليمهم التفريق بين أنواع اللمسات التي قد يتلقاها الطفل من الآخرين ومفهوم اللمسة الجيدة واللمسة المربكة واللمسة السيئة وتعليمهم كيفية التصرف تجاه مشاعرهم بعدم الأمان أو الثقة في تصرفات الآخرين  وتعليمهم قول "لا " وطلب المساعدة في حالة تعرضهم للاعتداء.