إزالة الصورة من الطباعة

مسؤولون وأصحاب أعمال: الشراكة بين القطاع الخاص والحكومة "دون مستوى الطموحات".. والبيروقراطية وضعف التشريعات من معوقات التنمية المستدامة

دعوات إلى توجيه الدعم نحو زيادة الصادرات.. وضرورة إجراء تغيير جذري في نظم التعليم والتدريب وقوانين التوظيف وآليات تحفيز نمو الأعمال

الهدابي: القطاع الخاص استفاد من الحكومة طوال سنوات النهضة.. وحان الوقت لـ"رد الجميل"

سلمان: النهوض بأداء القطاع الخاص يسهم في خلق وظائف ورفد خزينة الدولة

البادي: ضرورة مراقبة مصادر التحويلات الماليّة للوافدين للتأكد من "سلامتها"

الهادي: "عشوائية التخطيط" ناجمة عن عدم إشراك القطاع الخاص في اتخاذ القرارات المصيريّة

المهري: القطاع الخاص أثبت جدارته في السياحة والتعدين والمقاولات

الدوحاني: الشراكة بين القطاع الخاص والحكومة تخلق مناخًا استثماريًا مواتيًا

فتح المجال أمام القطاع الخاص لاستقدام الأيدي العاملة الأجنبية بالتوازي مع تطوير الكفاءات الوطنية

بطء الإجراءات الإداريّة وتراجع كفاءة الموظف من عوامل عدم تقدم القطاع الخاص

الرؤية - أحمد الجهوري

أكّد مسؤولون ورجال أعمال أنّ الشراكة الحقيقيّة بين القطاع الخاص والحكومة في السلطنة، لم تتحق حتى الآن، إذ لا يزال مستوى الشراكة دون الطموحات، معللين ذلك بما وصفوها بالمعوّقات البيروقراطية التي تحول دون إتمام هذه الشراكة.

وقالوا -في استطلاع لـ"الرؤية"- إنّ القطاع الخاص لن يقوم بدوره الكامل ما لم تراجع الحكومة قوانينها وتخفف من الإجراءات البيروقراطية التي تعرقل إنجاز المعاملات، مؤكدين أنّ مثل هذه الشراكة تتحقق في حال توفر الإرادة الحكوميّة لمثل هذه الخطوة بالغة الأهميّة.

وأضافوا أنّ الجانبين مطالبان باتخاذ مزيد من الإجراءات التي تعزز دور كل منها، فالقطاع الخاص مطالب بأن ينهض بدوره تجاه الاقتصاد الوطني، من خلال تبني المبادرات التنموية، وضخ رؤوس الأموال في مختلف المشاريع، بدلا من الاعتماد الكلي على الإنفاق الحكومي، فضلا عن توسيع خطط التعمين.

من جهته، قال سعادة أحمد الهدابي نائب رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى إن الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص تكاد تكون منعدمة، موضحا أنّ الطرف الأول يطرح المشروعات ويشرع القوانين، فيما يتولى الآخر التنفيذ فقط، وفي كثير من الأحيان يكون المشرع هو صاحب الشركات بسبب وجوده في الهرم الحكومي. وأوضح أنّ الوضع الحالي لا يعكس أي نوع من الشراكة على الإطلاق، معتبرا أنّ الشراكة الحقيقية تتمثل في الجلوس على طاولة واحدة قبل تشريع أيّة قوانين أو قرارات وأن تكون مصلحة الدولة فوق كل اعتبار، وألا تغفل في المقابل مصالح جميع المواطنين بمختلف مستوياتهم.

تداعيات الأزمة

وتابع أنّ هناك من يرجح أنّ القطاع الخاص غير قادر على مساعدة الحكومة في تجاوز تداعيات أزمة النفط، رغم حقيقة أنّ نجاح الحكومة يمثل جزءًا من نجاح القطاع الخاص في جميع الدول المتقدمة. وأشار إلى أنّه من المؤسف في الأمر، أنّ الشركات الكبرى لا تتجاوز 11 شركة، وجميعها شركات عائلية، لافتا إلى أنّ هذه الشركات مستفيدة من التشريعات القائمة، لأنها بطريقة أو أخرى ساهمت في سنها ووضع الشروط الخاصة بها، واعتبر أنّ مثل هذه الشركات ستعارض أي تعديل أو تغيير في القوانين القائمة، لضمان مصالحهم.

وبيّن الهدابي أنّ القطاع الخاص وخاصة الشركات الكبرى، ملزمة بتوظيف العمانيين في المناصب القيادية، كما أنّها ملزمة بعدم منافسة العمانيين في الأنشطة الصغيرة، بما يضمن التوزيع العادل للثروة بين أبناء الوطن الواحد. وأوضح أنّ الحكومة من جانبها، بذلت وأعطت وسمحت وساعدت القطاع الخاص على النمو طيلة السنوات الماضيّة من عمر النهضة المباركة، لذلك على القطاع الخاص أن "يرد الجميل" وأن يقف بجانب الحكومة لمواجهة التحديات الحاليّة.

وزاد سعادة عضو مجلس الشورى أنّ القطاع الخاص يعتمد اعتمادًا كليًا على الإنفاق الحكومي للمشاريع، كما يقوم كبار التجار بإنشاء الشركات التجارية والصناعية من خلال التسهيلات الحكومية والبنكية، ولكن على الرغم من ذلك، لا يستفيد الوطن والمواطن بالقدر الكافي من هذه التسهيلات التي تقدمها الحكومة لهذه الشركات الكبرى، فضلا عن أنّ هناك شركات تكلف الحكومة الكثير، ومثال ذلك المشاريع السياحية الخاصة التي شقت لها الحكومة الطرق بملايين الريالات.

مبادرات تنمويّة؟!

وشدد الهدابي على أنّه حتى ينهض القطاع الخاص بدوره الكامل تجاه الاقتصاد الوطني يتعيّن عليه طرح المبادرات التنمويّة وضخ أمواله في السوق عبر مشاريع جديدة، بدلا من الاعتماد الكلي على الإنفاق الحكومي، وكذلك السعي الحثيث لتوظيف العمانيين.

وأوضح سعادته أنّ القطاع الخاص- وعلى الرغم مما سبق- يواجه تحديات كثيرة، يتمثل أهمهما في البيئة التشريعية، حيث إنّه خلال الـ45 عاما الماضية كان القطاع الخاص هو المشرع، نظرًا لوجوده ضمن الهرم الحكومي، مشيرا إلى أنّ الجميع يتحمّل ضريبة هذا الأمر حاليًا. وأضاف أنّه من الضروري الجلوس على طاولة الحوار بين المشرع (الحكومة ومجلس عمان) والقطاع الخاص والجهات الأخرى، قبل الشروع في صياغة أي مشروع للقوانين والخروج بموقف موحد على أن تكون مصلحة الوطن والمواطن العادي فوق كل اعتبار.

وفي ما يتعلق بالبيروقراطية في إنجاز المعاملات الحكوميّة، قال إنّ هذا الأمر لا يمكن إنكاره، وأنّها أحد أسباب بطء تطور القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي، وهي كذلك أحد وأهم أسباب تذمر المواطنين في مراجعة الجهات الحكوميّة وتنقل المواطنين من الولايات إلى مسقط بسبب المركزية القائمة.

وناشد الهدابي بضرورة مراجعة الوضع الحالي وبشكل فوري، لدور وعمل المحطة الواحدة، على أن تكون محطة واحدة بالفعل، وتسهم في اتخاذ القرار والموافقة على الطلب، كما يجب الإسراع في منح صلاحيات أكبر للمحافظين ومديري العموم في المحافظات ومديري الدوائر، مع فتح فروع لمجلس المناقصات في المحافظات، لتسهيل تخليص المعاملات بصورة أفضل وأسرع من أجل راحة المواطن.

التفاعل الاقتصادي

وقال المحلل المالي مصطفى سلمان الرئيس التنفيذي للشركة المتَّحدة للأوراق المالية إنّ تنشيط القطاع الخاص يسهم في التفاعل الاقتصادي القادر على الإنتاج، وتحقيق إضافة إلى الناتج المحلي الإجمالي، وبتوسيع هذا القطاع يمكن زيادة الدخل العام للدولة؛ من خلال تنشيط الإنتاج المختلف سواء الصناعي أو الخدمي، وهو ما يسهم في خلق وظائف لمختلف الكفاءات، ويساهم في تعميق السوق المحلي لمختلف المنتجات المحلية، وبالتالي الاستعاضة عن الأسلوب المعتاد من الحصول على العائد من النفط، ومن ثمّ إنفاقه على الرواتب وعلى المشاريع بغرض خلق فرص عمل للشركات بشكل مصطنع.

وأضاف أنّ القطاع الخاص القوي قادر على الإنتاج والنهوض بنفسه، ويمثل وسيلة فعّالة في تخفيف العبء عن الدولة في خلق الوظائف وتدوير الأموال في النظام المالي، وهناك العديد من الفرص في القطاع الخاص القادرة على العمل بعيدًا عن دعم الدولة؛ مثل السياحة والصناعة بغرض التصدير والتعدين، وكذلك التجارة القائمة على الدعم اللوجستي، بما يضمن الاستفادة من موقع السلطنة المتميز، الذي يمكن أن يكون مدخلا لكافة دول الخليج، أو حلقة وصل بين جنوب شرق آسيا وبقيّة العالم الغربي وإفريقيا. وأشار إلى أنّ العديد من الصناعات التقليدية المحليّة يمكن أن تكون دعامة لتنميتها؛ مثل الحلوى العمانية وتطويرها وتعليبها وفي النهاية تصديرها للخارج ودول الخليج، بالإضافة إلى المنتجات القرويّة التراثية التي يمكن تصديرها إلى أوروبا، فضلا عن مخرجات الإنتاج الزراعي أو التربية الحيوانية. وأكّد سلمان أنّ تنشيط الإنتاج المحلي يساعد على تخفيض فاتورة الاستيراد؛ وهو عامل رئيس في عزل النشاط التجاري المحلي عن الأزمات العالمية.

وحول الشراكة بين القطاع الخاص والحكومة، أوضح سلمان أنّ الشراكة حاليًا قائمة على أساس دعم الحكومة للقطاع الخاص، من خلال إيجاد الطلب على الخدمات بطرح مناقصات مختلفة في القطاعات المتعددة، لتنشيط الشركات المحليّة، مشيرا إلى أنّ هذا الوضع "غير سوي"، لأنّه يتسبب في خلق قطاع خاص يعتمد بالكليّة على الحكومة، في حين أنّه يتعين على الحكومة تيسير العوامل لنمو القطاع الخاص، من خلال توفير الآليات والقوانين المناسبة، وأن يستفيد القطاع الخاص من ذلك بأن يستقل ويعتمد على نفسه.

وتابع أنّ الدعم ينبغي أن يتمثل في صورة دعم الصادرات أو توفير عوامل الإسناد وربما بعض الدعم في مجال خبرات التصدير أو الخدمات المساندة، كما يجب أن تمنح الحكومة المجال للقطاع الخاص للحصول على الأيدي العاملة الضروريّة، لرفع كفاءته سواء بالاستيراد الخارجي أو تطوير الكفاءات المحلية، من خلال التدريب أو القوانين المناسبة لتحفيز القوى العاملة المحليّة على أداء دورها بإيجابيّة. وبيّن أنّ هذا التوجّه ينبغي أن يكون أساسًا للشراكة والتوجه العام، لأنّه يتطلب إجراء تغيير عام بنظم التعليم والتدريب المهني وقوانين التوظيف والحوافز ويحتاج إلى الالتزام من جميع الأطراف لخلق تكامل بناء، كما يتعيّن على القطاع الخاص التكيف مع الظروف الجديدة والبحث عن آليات عمل، بعيدًا عن الدعم الحكومي، وأن يلتزم بالاستفادة من الكفاءات المحليّة قدر المستطاع، لأن الاعتماد على الكادر الوطني يخفض بشكل جوهري فاتورة التحويلات الخارجيّة ونزيف السيولة من السوق المحلي، كما يرفع الإنفاق المحلي، والذي بدوره سيعود بالنفع على الصناعة والتجارة المحليّة.

وزاد أنّ القطاع الخاص لا يزال أمامه طريق طويل حتى يصل إلى نقطة تسمح للحكومة بالاعتماد عليه، والاعتماد عليه بصورة جديّة كشريك في التنمية الوطنية، مشيرًا إلى أنّ الصناعات المحليّة لا تزال في مرحلة مبكرة وتعمل في نطاق محدود، وغير قادرة على الإنتاج الكفء الذي يسمح لها بمنافسة المستورد أو حتى التصدير الخارجي. ومضى قائلا إنّ هناك عددا من قصص النجاح المحلية لشركات ظهرت بقوة وأثبتت جدارتها على الصعيد العالمي، وهذه الشركات يجب أن تكون النموذج الذي تقتدي به الشركات المحلية. وأوضح أنّ الضعف يرجع بشكل كبير إلى ضعف الكفاءات الإدارية وإلى بعض التعقيدات الإجرائيّة، والتي لو وجدنا طرقا لتحسينها سنستطيع أن نساعد القطاع الخاص لأن يؤدي دوره ويحقق الشراكة الحقيقية.

وحول تحديات القطاع الخاص، قال الرئيس التنفيذي للشركة المتَّحدة للأوراق المالية: إنّ أهم ثروات أي بلد هو الإنسان العامل القوي الكفء، وبهذا فإنّ أبرز التحديات التي تواجهنا هي نقص الكفاءات المحليّة القادرة على تغطية متطلبات العمل بكفاءة تمكن القطاع الخاص من المنافسة، كما أنّ بطء الإجراءات الإدارية تظهر على كافة الأصعدة والتي بحاجة إلى مراجعة من خلال إيجاد تكامل بين المؤسسات التنظيميّة المختلفة لتساعد المؤسسات على العمل بتسهيلات أفضل وكفاءة أعلى.

وأضاف أنّ البيروقراطيّة تسهم بدور كبير وواضح في عرقلة نمو القطاع الخاص، مشيرا إلى أنّ من الأسباب الرئيسية في هذا الأمر، عدم توفير التدريب الكافي للموظفين الذين يشكلون الخط الأول في التعامل مع المؤسسات، داعيًا إلى مزيد من البرامج التدريبية المُقدمة لموظفي الحكومة لتعريفهم بالأهداف والإجراءات، حتى يتمكنوا من استيعاب متطلبات عملهم وتأثيره العميق على الأداء العام للاقتصاد. وبين أنّ الإجراءات وحدها لا تكفل تنظيم العمل، لكن معرفة الموظف بالأهداف العامة ومعرفته بما هو مطلوب منه على المستوى الاستراتيجي سيساعده على فهم وتقبل طلبات القطاع الخاص والتجاوب معها على أسس التعاون والمصلحة المشتركة، ومن جانب آخر هناك العديد من القوانين والإجراءات التي تحتاج إلى مراجعة مع الزمن لتصبح واضحة الأهداف، وعلى كل جهة تنظيمية أن تبدأ بمراجعة أهدافها وإجراءاتها وتضع لنفسها معايير لقياس الكفاءة حتى نوحد أهدافنا بين القطاع العام والخاص.

إعادة الهيكلة

من جهته، قال الشيخ علي البادي عضو مجلس الشورى سابقا: إنّ القطاع الخاص يفترض أن يكون هو المولد الرئيسي للدخل، وأحد أهم روافد الاقتصاد الوطني، وبالتالي فإنّه لا مناص لبلادنا سوى إعادة تقييم وهيكلة القطاع الخاص بغيّة توجيهه أو مساعدته على الاستثمار بصورة كفوءة في تعزيز ورفد الاقتصاد الوطني، لا سيما مع تراجع أسعار النفط.

وأضاف أنّ الشراكة بين القطاعين العام والخاص قائمة في الوقت الحالي، لكنّها بحاجة لمزيد من التعزيز والتكامل، حتى نصل إلى تحقيق الأهداف الوطنية المنشودة، بخاصة فيما يتعلّق بتعزيز إسهام القطاع الخاص في الدخل الوطني. وأوضح أنّ المطلوب من القطاع الخاص وبخاصة الشركات والمؤسسات الكبرى، أن تتحوّل من مجرد متلقٍ للدعم وللتسهيلات- دون مقابل- إلى رافد من روافد الاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى وجوب إسهامه في خلق فرص عمل جاذبة لأبناء الوطن، من خلال تحسين الأجور ورفع المكافآت وكذلك تحسين بيئات العمل، وأن يكون مثلا القطاع المصرفي نموذجًا في ذلك، بفضل نجاحاته في تحقيق نسب تعمين مرتفعة جدا.

وأوضح أنّه من المؤسف أنّ أداء القطاع الخاص في السلطنة لم يتم تقييمه على نحو كفء، لكون غالبيّة شركات ومؤسسات القطاع الخاص هي مؤسسات فرديّة أو عائليّة، ما يعني أنّ نظام إدارتها وتشغيلها يتحكم فيه الفرد دون نظام إدارة مؤسسي، فضلا عن أن جزءًا كبيرًا من شركات ومؤسسات القطاع الخاص تمارس عملها وأنشطتها تحت خانة التجارة المستترة، بما في ذلك الشركات الكبرى ما جعل الأداء في الكثير منها غير كفء، لعدم توافر الكفاءات لإدارتها على نحو كفء، إضافة إلى كون بعض الشركات والمؤسسات تمارس فيها أو من خلالها التجارة المستترة.

ودعا البادي وزارة التجارة والصناعة والبنك المركزي إلى مراقبة تحويلات الوافدين والأجانب وصولا لمعرفة مصادرها، ومن ثم تقييم أوجه الخلل في هذا المجال.

وتابع أن من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الخاص هو صغر حجم الغالبية العظمى من شركاته ومؤسساته، ما تسبب في غياب القدرة التنافسية، وعجزها عن خلق بيئات جاذبة للمواطن للعمل فيها، وعدم تمكنها من الإسهام في رفد الاقتصاد الوطني بصورة تتلاءم مع حجم التسهيلات والامتيازات التي قدمتها الدولة لها منذ بداية النهضة المباركة وحتى اليوم.

وأكد البادي أنّ البيروقراطية المتفشية في وحدات الجهاز الإداري للدولة تعد عائقا أمام قيام القطاع الخاص بدوره المأمول، إذ أنّ هذه التعقيدات والإجراءات تعرقل إصدار التراخيص، أو إنجاز الأعمال المرتبطة بالقطاع الخاص، لذلك فقد حان الوقت لتقييم آليات وسبل تقديم الخدمات الحكوميّة والعمل على تبسيطها.

مفهوم الشراكة

وقال ناصر الهادي مدير الدراسات الاستراتيجيّة بالشركة الدولية إنّ مفهوم الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص قضية متشعّبة ومتعددة الجوانب، من حيث فهم الأمر بطريقة صحيحة ومرضية، مشيرا إلى أهميّة إشراك القطاع الخاص مع الحكومة في أعمال البنية التحتيّة وتوزيع أكثر القطاعات المهمة لتدار عن طريق القطاع الخاص، وإعداد المرافق اللازمة بما يضمن عمل الاقتصاد بطريقة متزنة قابلة للتطوير والنمو من خلال هذه المشاركة. وانتقد الهادي ما وصفه بحالة "الفوضى في التخطيط الاستراتيجي" بين مؤسسات الدولة، وغياب الدور التخطيطي في رسم السياسات العامة، مشيرًا إلى أنّ هذه الشراكة لن تتحقق بالشكل الصحيح إلا بإشراك القطاع الخاص مع الحكومة في اتخاذ القرار، والمشاركة في صنع السياسات الاقتصادية والقوانين المرنة لما يخدم الوطن.

ورفض الهادي القول إنّ القطاع الخاص العماني غير قادر على مساعدة الحكومة في تجاوز تداعيات أزمة النفط، مشيرا إلى أنه قبل طرح هذه الفكرة، ينبغي تعريف القطاع الخاص بشكل صحيح من حيث المضمون، ومدى مساهمته في الناتج القومي، وأنّ هذه المشاركة لا تأتي إلا بعد توفير ظروف العمل الصحيحة لهذا القطاع، وتوفير المناخ الصحيح بعدها حتى يكون قادرًا على مساعدة الحكومة ويجب تشخيص المشكلة والاعتراف بالخطأ.

وتابع أنّ ما يقال حول أنّ القطاع الخاص العماني متهم بأنّه يعتمد على الحكومة اعتمادًا كليًا، فهذا الأمر ينافي الواقع؛ حيث صدر قرار تخصيص 10% فقط من المناقصات والمشتريات الحكوميّة لإعطائها للشركات الصغيرة والمتوسطة، لكن هذا القرار لم يجد من يترجمه إلى واقع ملموس، ولم تلتزم به كافة الجهات الحكومية، مما يؤكد أن الحكومة غير متعاونة بما يتيح للقطاع الخاص العمل بكل طاقته، ولا بد من معرفة أوجه الخلل المتمثلة في تعقيدات الإجراءات، وتخليص الموافقات الرسمية وتحويلها إلى بيئة عمل جاذبة للاستثمار.

وشدد الهادي على أهميّة أن ينهض القطاع الخاص بدوره كاملا تجاه الاقتصاد الوطني، وأن يكون هناك تنسيق مستمر بين القطاعات الحكومية من أجل العمل على تحقيق أهداف النجاح، موضحا أنّه بدون ذلك ستتفاقم المشكلات وتتعرض الثروات والطاقات للهدر.

وطالب الهادي بترجمة هذا على أرض الواقع، من خلال وضع مؤشر يشارك فيه الجميع، لتقييم النجاح، فمن الخطأ إعطاء فرصة للقيام بعمل تجاري جديد، ولكن في المقابل تفرض عليه الحكومة قيود التعمين، بدون إعطائه فرصة 3 سنوات لاختبار نشاط العمل ونجاحه بطريقه صحيحة.

وتابع أنّ التحديات التي تواجه القطاع الخاص تتمثل في البيئة التشريعية غير المناسبة، وانعدام الحوافز؛ حيث إنّ وجود التحفيز بالغ الضرورة، وتوفير بيئة تشريعية تتلاءم وتنسجم مع المستجدات والتطورات الحالية، ولا يتحقق النجاح بدونها.

شراكة متكاملة

وقال الشيخ عبدالله المهري الرئيس التنفيذي للشركة العمانية الإماراتية للمشاريع التجارية إنّ مفهوم الشراكة بين القطاع العام- ممثلا في الحكومة- مع القطاع الخاص ممثلا في الشركات والمؤسسات الأهلية، يجب أن يتم بشكل تكاملي؛ حيث يكمل كل طرف الآخر، وأن يتحمل كل قطاع مسؤوليته الوطنية على أكمل وجه، وهذا يمكن تحقيقه من خلال دعم الحكومة لهذا القطاع الرديف ومشاركته في النهوض بمسؤولياتهم بكل اقتدار.

وأضاف أنّ بإمكان القطاع الخاص القيام بالكثير من المهام، وخير مثال على ذلك قيام العديد من الفعاليات الاقتصادية والتجارية بجهود العديد من المؤسسات الناجحة؛ كالبنوك وشركات التأمين والتمويل وغيرها، وعلى رجال الأعمال العمانيين أخذ زمام المبادرة للقيام بقطاعات عمل ناجحة جديدة، خاصة في الصناعة والسياحة والتعدين والخدمات اللوجستية وغيرها كقطاع البناء والمقاولات. وتابع أنّ القطاع العُماني ليس الوحيد المتهم، إنّما كل القطاعات في البلدان النفطيّة التي تعودت على الخدمات المجانيّة التي تقدمها الحكومات النفطية للقطاع الخاص، والواقع أنّ القطاع الخاص العُماني إذا ما أتيحت له الفرصة سيساهم بدور إيجابي، موضحا أنّ المؤشرات تظهر أنّ قطاع البنوك وشركات التمويل والتأمين وقطاعات النقل والبناء، جميعها أثبتت فعالياتها، والدور الإيجابي لها.

وشدد على أنّ القطاع الخاص بحاجه الى أن تقوم الحكومة بدعمه عن طريق فسح المجال له في المساهمة في التنمية، وأنّ الدور الذي يجب القيام به من قبل الحكومة هو تسهيل بعض الإجراءات والقوانين التي قد تحد من دور هذا القطاع، وأبرز التحديات التي تواجه القطاع الخاص العماني كقطاع نامٍ، هي إيجاد تشريعات مرنة تسهل وتيسّر على هذا القطاع مهام عمله، وأن تتولى الحكومة تسهيل إجراءات استقدام العمالة الماهرة بسهولة ويسر أكبر، بالإضافة إلى إيجاد قوانين وتسهيلات إنهاء إجراءات تحت مظلة واحدة دون الرجوع إلى عدة مؤسسات وتراخيص متعددة.

و أكد أنّ بيروقراطية الجهات الحكومية تسببت بشكل كبير في عدم تحفيز القطاع الخاص، ومنحه القدرة على أداء مهامه بيسير وسهولة.

علاقة حاضنة

وقال حاتم الدوحاني رئيس مجلس إدارة شركة الدوحاني العالمية إنّ الحكومة والقطاع الخاص وجهان لعملة واحدة، فلا يمكن للقطاع الخاص أن يعمل دون أن يجد الرعاية اللازمة من الحكومة، علاوة على أنّ الحكومة تمثل الحاضن الرئيسي للقطاع الخاص، لذلك كلاهما يتأثر بالآخر. وأضاف أنّ القطاع الخاص في السلطنة بحاجة إلى الرعاية والاهتمام، حتى يكون قادرا على العطاء، وأن توفر له الحكومة البيئة الخصبة للنمو والازدهار، في حين أنّ الإجراءات المعوّقة والبيئة غير الخصبة، لن تفضي إلا إلى قطاع خاص ضعيف غير قادر على النمو.

ويعارض الدوحاني القول بأنّ القطاع الخاص غير قادر على مساعدة الحكومة في تجاوز تداعيات تراجع أسعار النفط، مشيرا إلى أنّ التاريخ أعظم مدرسة للتجارب الإنسانيّة، ويتضح ذلك في أن دولا أخرى اهتمت بالقطاع الخاص وبات الآن العمود الفقري لاقتصادها. وأوضح أنّ القطاع الخاص سيصبح أكثر فعالية متى ما أتيحت له الفرصة للمساهمة والمشاركة وتيسير أعماله والوقوف على تحدياته وإنجاز معاملاته ومنحه التراخيص اللازمة. ولفت إلى أنّ قطاع التعدين على سبيل المثال يحتوي على الكثير من الشروط الخانقة لمن يعمل فيه، مشيرا إلى أنّ مؤسسته التجارية تواجه العديد من التحديات والعوائق، رغم إشادته بدور وتعاون الهيئة العامة للتعدين مع المؤسسة. وأشار إلى أنّ المشكلة تكمن في أنّ بعض الوزارات تزيد من الإجراءات البيروقراطية التي تعيق نمو الأعمال؛ حيث إنّ الحصول على التراخيص والموافقات من وزارة البيئة والشؤون المناخية أمر بالغ التعقيد، كما أن هناك أمر غريب يتمثل في آلية الحصول على تجديد التراخيص؛ حيث إنّ جهة حكوميّة معينة لا توافق على تجديد الترخيص، وتقدم رسالة مفادها أنّها لا تمانع من تجديد الترخيص شريطة أن تحصل على الموافقة من جهة أخرى، وعندما تذهب إلى الجهة الأخرى تقدم لك رسالة جديدة بألا مانع لديها من تجديد الترخيص شريطة أن تحصل على موافقة من الجهة الأولى، وهكذا دواليك!

وفي هذا السياق، دعا الدوحاني إلى الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، والتي خلقت مناخًا استثماريًا تشاركيًا بين الحكومة والقطاع الخاص؛ حيث عقدت شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، وفي المقابل الحكومة تقدم الدعم لتلك الشركات، بما يعزز مناخ الاستثمار في نهاية المطاف.

وأشار الدوحاني إلى أنّ الحكومة الآن تقوم بمجهود جيد فيما يتعلق بالحكومة الإلكترونية، والتي من خلال التفاصيل المسجلة يمكن التعرف على المؤسسات الجادة أو غير الجادة، والتي تقدم طلبات افتتاح مشاريع فقط للحصول على تأشيرات للعمال.

ورفض الدوحاني القول إنّ القطاع يعتمد بصورة كليّة على الحكومة؛ حيث إنّ هناك شركات عمانيّة تطرح منتجاتها في الأسواق، بل وصلت إلى الأسواق العالميّة، موضحا أنّ المنتج العماني موجود وإن كان بصورة خجولة، لكن من المؤمل أن يتوسّع خلال المرحلة المقبلة شريطة أن تكون البيئة التي يعمل فيها مرنة وتساعد على الإبداع والنجاح، وأن يصل على الدعم المناسب، ولا يُقصد بذلك الدعم المادي، وإنما الأمر مرتبط في المقام الأول بتعزيز التسهيلات في المعاملات؛ إذ لا يعقل أن بعض الإجراءات تتطلب شهورا وربما تمتد لسنة للحصول على الموافقات الخاصة بها. وطالب الدوحاني بضرورة تنفيذ مخرجات وتوصيات المؤتمرات والندوات الحكوميّة، والخاصة بالنهوض بالقطاع الخاص، وتنميته، وتعزيز آلية عمله.